لكل السوريين

الساحل السوري.. قطاع غير منظم.. وصيت بلا تنمية

تقرير/ سلاف العلي

سادت صور نمطية كثيرة، تكونت على مدى عقود طويلة، متداولة عن مناطق مقربة ومدعومة من السلطة المركز ومناطق مظلومة ومنسية، وتشكل إرث تاريخي سياسي مليء بالمغالطات عن كل المناطق السورية لا تعكس الواقع، وكانت النتيجة المرعبة عن واقع الحاضر السيئ في الصور القاتمة التي تعززت في الوجدان الجمعي، وكنوت ماضيا تحول إلى صانع للخراب الحاضر، فصور الماضي ليس سهلا تجاوزها أو كسر هذه الصور التي تكونت على مدى عقود من التغييب واﻹنغلاق الاجتماعي المدعوم من السلطة نفسها.

فصورة الساحل السوري أنها البنت المدللة لدى أبيها السلطة الحاكمة منذ عقود، هي واحدة من هذه الصور النمطية المتداولة، وإن كثيراً من الأقوال الشفهية الساخرة والجادة، تحيل على علاقة فردية لكل فرد في هذه المنطقة مع السلطة، قد تكون بوابات القرابة أو الطائفة أو الانتماء السياسي، أو كلها، صور مخادعة وغير واقعية.

وللتأكيد على الحقيقة كما هي يكفي النظر إلى كمية النسيان والتجاهل لقضية التنمية الحكومية المزعومة للمنطقة، مما يثبت وحدة الحال السورية في رفض السلطة الاستماع إلى المجتمعات المحلية، والإصرار على مركزية القرار حتى الكارثي.

إن إنشاء مرفأ اللاذقية في موقعه الحالي، رغم كل الاعتراضات لكن تسبب في قتل الواجهة البحرية للمدينة، وحولها إلى مجموعة أسوار ملتفة على أجمل مواقعها السياحية، التي كان المجتمع المحلي يعيش منها، وأهل اللاذقية القدامى، عملوا على إنشاء مرفأ ويخدم المدينة، هو مرفأ مينا البيضا.

يضم الساحل محافظتين اللاذقية وطرطوس ومدنهما وقراهما، التي تمتد حتى حمص وحماة وإدلب، وكان من الممكن تحويلهما أن إلى مراكز جذب للسياحة البيئية والطبيعية بدرجات كبيرة، لكن مشاركة الجهات الفاعلة في المجتمعات المحلية في تشكيل المشهد الحضاري هي في حدها الأدنى، وهذه المشاركة تخضع لعملية انتقاء ليس للمجتمع دور فيها، بالتالي كانت هنالك سياسات دائمة لتفتيت المجتمع مبنية على الخوف من الاجتماع والاتفاق بدلا عن تنمية المجتمعات المحلية، فموارد الساحل الاقتصادية تتركز في السياحة والبيئة وبعض المحاصيل الزراعية الصناعية، ثم في قطاع الخدمات الناتجة عن الموقع، فالزراعة في الساحل موزعة وبكميات صغيرة على التبغ والخضروات والزراعات المحمية والحمضيات المرتبة الأولى، والجبل الذي يحتضن زراعات: الزيتون، والفواكه، والمواد والأعشاب العطرية.

أما السياحة، ففيها ميزات خاصة، منها في جانب الآثار، أكثر من خمس قلاع كبيرة الحجم، وما لا يقل عن خمسين موقعاً أثرياً، منها مواقع متفردة، مثل: “أوغاريت”، و”حصن سليمان”، و”مدرج جبلة الروماني”، وإلى جانب سياحة الطبيعة والبيئة، هناك البقية الباقية من الغابات، وهناك سياحة تسلق الجبال والوديان والبحيرات والكهوف والأشجار المعمرة وغيرها، إضافة إلى البحر والصيد والسياحة البحرية بأنواعها، وهناك التراث الشعبي المادي واللامادي، منه الاحتفالات الشعبية والدينية، في مراكز القرى الكبيرة، مثل احتفالات أعياد الرابع والربيع والرمان والتفاح.

وتمتد الموارد الخاصة إلى اقتصاد الخدمات، الذي يشكل حوالي45% من إجمالي الناتج المحلي بالساحل، ويقصد به الخدمات الناشئة عن عمليات اقتصادية متعددة، مثل تخليص البضائع من المرافئ وخدمات الترانزيت، والنقل عبر السكك الحديدية والبرية، ويضم خدمات مرافئ: اللاذقية، وطرطوس، وبانياس النفطي.

نؤكد على غياب الأفضلية والتميز وبدون أية عدالة بتوزيع التنمية، فقطاع الزراعة يتعرض الى مواجهة عدد متزايد من المشاكل والمعوقات، رغم صدور قانون اﻹدارة المحلية رقم 107 للعام 2011، الذي قضى بتخفيف كثير من القيود المركزية، وإتاحة المجال للمجتمعات المحلية واﻹدارات المحلية للعمل بنظام تشاركي مع المركز، وكان أقرب إلى اللامركزية، إلا أن وقائع السنوات التالية للبلاد، مع اشتداد الصراعات دفعت بهذا القانون إلى الفعالية الضعيفة.

هناك مثال فاقع للتخبط في التخطيط المركزي فيما يخص الساحل، وهو وجود معملين للخيوط القطنية وتوابعها في جبلة واللاذقية، من دون أن تكون هاتان المنطقتان تزرعان متراً مربعاً واحداً من القطن، وبسبب هذا الوضع، توقف المعملان سنوات طويلة، عندما انقطعت الطرق في سوريا بين الجزيرة وحلب والساحل، وحتى اليوم فإن هذين المعملين – يضمان أكثر من خمسة آلاف عامل وفني وهما مهددان باﻹغلاق، بسبب توجهات الحكومة لبيع القطاع العام، أو بسبب عدم توافر كميات كافية من الأقطان.

وافقت دمشق على إقامة مصفاة نفط ثانية في مدينة بانياس الساحلية عام2023، مدينة شريطها الساحلي هو الأضيق على الشاطئ السوري، وفي وقت تشير فيه الدراسات البيئية إلى أنّ نسبة التلوث الكربوني في المدينة هي في حدها الأعظم، مسجلة نسبة فوق سبعين في المئة، بحسب تقارير منظمات الصحة الدولية، لتكون أكثر مدينة على ساحل المتوسط تلوثا، فهذا يعني أن المدينة ستصبح غير قابلة للعيش في غضون سنوات قليلة، من دون نسيان أن إنشاء المصفاة سيلتهم آلاف الهكتارات الزراعية، ويعمل المرفآن الأساسيان بإنتاجية ضعيفة، يعود جزء منها إلى واقع الحرب منذ حوالي 14سنة، فإن استفادة السكان المحليين من المرافئ، هي في حدها الأدنى، ولا يذهب جزء من واردات المرافئ إلى ميزانيات هذه المدن، واستفادة المجتمعات المحلية منها ضرورة قصوى، ليس فقط في جانب العمالة والتوظيف، بل في جانب المسؤولية المجتمعية لمؤسسات المرافئ.

بعد اتباع أسلوب التعيين اﻹجباري، لم تنجح هذه المجالس على كل المستويات في حل عشرات القضايا المزمنة، ومنها مثلاً مسألة معالجة وإعادة تدوير النفايات المنزلية والصناعية والزراعية، وحتى اليوم تعتمد هذه المجالس فكرة المطامر والحرق والرمي في مناطق الوديان والأنهار وشاطئ البحر، والبحر نفسه، ومنها مكب البصة، الذي التهم واجهة رملية من المدينة تعتبر الأجمل من بين شواطئها، وهو ما جعل الساحل السوري، ككل، مكانا مميزا ﻷعلى نسب التلوث البيئي بأنواعه.