السويداء
قالت منظمة هيومن رايتس ووتش، إن قوات الحكومة السورية الانتقالية وجماعات مسلحة محلية ارتكبت انتهاكات جسيمة خلال الاشتباكات التي شهدتها محافظة السويداء جنوبي سوريا في تموز 2025، مؤكدةً أن غياب المحاسبة الحقيقية يهدد بتكرار دوامات العنف والانتقام.
ووثّقت المنظمة ارتكاب عمليات قتل بإجراءات موجزة، وانتهاكات للكرامة الشخصية، وعمليات اختطاف ونهب، مشيرةً إلى أن الاشتباكات أسفرت عن نزوح ما يصل إلى 187 ألف شخص، في واحدة من أكبر موجات النزوح التي شهدتها المحافظة في السنوات الأخيرة.
وأكدت هيومن رايتس ووتش أن على السلطات السورية إثبات أنها تمثل جميع السوريين، من خلال محاسبة المسؤولين عن الفظائع المرتكبة في السويداء على أعلى المستويات، وملاحقة جميع الأطراف المتورطة، سواء من القوات الحكومية أو الجماعات المسلحة المحلية.
وقالت المنظمة، في بيانها الصادر من بيروت، إن قوات الحكومة السورية والجماعات المسلحة المحلية من البدو والدروز تتحمل المسؤولية عن انتهاكات جسيمة ارتُكبت خلال القتال الذي اندلع في محافظة السويداء في تموز 2025، مطالبةً بمحاكمة القادة العسكريين وكبار المسؤولين الذين أصدروا أوامر بارتكاب هذه الانتهاكات أو يتحملون المسؤولية عنها بموجب مبدأ مسؤولية القيادة عن جرائم الحرب.
وبحسب هيومن رايتس ووتش، تصاعد التوتر في 12 تموز 2025 إثر مواجهة بين جماعات مسلحة بدوية ودرزية عند إحدى نقاط التفتيش في المحافظة، قبل أن تتحول إلى اشتباكات مسلحة استمرت عدة أيام.
وأفادت المنظمة بأن هذه الاشتباكات أدت إلى مقتل وإصابة مئات المدنيين، ونزوح عشرات الآلاف، مشيرةً إلى أن الأوضاع الإنسانية، رغم تراجع حدة القتال لاحقاً، لا تزال بالغة الصعوبة بالنسبة للنازحين.
وقال آدم كوغل، نائب مدير قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش، إن “الاعتراف الحكومي بالفظائع لا يكفي، إذ يتعين على السلطات السورية محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات على أعلى المستويات، ومحاسبة جميع الأطراف المتورطة”، محذراً من أن “غياب المحاسبة الكاملة سيؤدي إلى تكرار أهوال الماضي”.
وتُعد محافظة السويداء ذات أغلبية درزية مع وجود أقلية بدوية، وقد تعايش الطرفان لعقود، إلا أن حادثة نقطة التفتيش في 12 تموز فجّرت صراعاً مسلحاً بينهما. وذكرت المنظمة أن تدخل القوات الحكومية إلى جانب الجماعات البدوية أسهم في زيادة التوتر بين الحكومة والمجتمع الدرزي.
وأوضحت هيومن رايتس ووتش أنها أجرت مقابلات مع 19 ضحية وشاهداً، من بينهم 14 درزياً وخمسة من البدو، وتحققت من صحة صور ومقاطع فيديو تدعم روايات الانتهاكات، كما تحدث باحثوها مع ثلاثة نشطاء محليين، وصحفي سوري دخل السويداء برفقة القوات الحكومية، وثلاثة مصادر مطلعة على القيود المفروضة على المساعدات الإنسانية.
وبحسب إفادات الشهود التي وثقتها المنظمة، نفذت قوات الأمن الحكومية عمليات قتل بإجراءات موجزة ودمّرت ممتلكات مدنية، بينما نفذت جماعات بدوية مسلحة متحالفة معها عمليات اختطاف ونهب. كما هاجمت جماعات درزية مسلحة مدنيين واحتجزتهم تعسفياً.
وقالت هيومن رايتس ووتش إنها وثّقت 86 حالة قتل غير قانونية على ما يبدو، من بينها 67 مدنياً درزياً و19 مدنياً بدوياً.
وقدّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن أكثر من 93 ألف شخص نزحوا خلال أسبوع واحد من الاشتباكات، ليرتفع العدد إلى 187 ألف نازح بحلول أواخر يوليو/تموز، ما تسبب في نقص حاد في الغذاء والمأوى والدواء.
وأكدت المنظمة أن الحكومة السورية الانتقالية فشلت في اتخاذ خطوات كافية لإجراء تحقيقات نزيهة في الانتهاكات المرتكبة، ورغم إدانة السلطات السورية في 16 يوليو/تموز لما وصفته بـ”الانتهاكات الإجرامية وغير القانونية”، وتشكيل لجنة تحقيق، إلا أن التحقيق لم يُختتم حتى الآن، بعد طلب اللجنة تمديداً إضافياً لمهلة تقديم تقريرها.
وأشارت هيومن رايتس ووتش إلى أن الدعم الإنساني للمدنيين تعرّض لعرقلة شديدة نتيجة القيود الحكومية واستمرار انعدام الأمن، لافتةً إلى أن عشرات الأشخاص ما زالوا في عداد المفقودين أو المختطفين دون أي معلومات عن مصيرهم.
وأوضحت المنظمة أن القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف لعام 1949، ينطبق على القتال الدائر في السويداء، ويحظر الاعتداءات على المدنيين، والإعدامات بإجراءات موجزة، وتدمير ونهب الممتلكات المدنية، مؤكدةً أن هذه الانتهاكات تشكل جرائم حرب إذا ارتُكبت بنية إجرامية.
وذكّرت هيومن رايتس ووتش بأن القوات التابعة للحكومة الانتقالية السورية سبق أن تورطت في انتهاكات جسيمة بحق الأقليات، ولا سيما العلويين في آذار 2025، مشددةً على أن القادة قد يتحملون المسؤولية الجنائية حتى في غياب أوامر مباشرة.
ودعت المنظمة الحكومة السورية إلى ضمان إجراء تحقيقات نزيهة تستهدف كبار المسؤولين العسكريين والمدنيين، وليس فقط صغار العناصر، محذّرةً من أن الاشتباكات المتجددة بمدينة حلب في كانون الثاني 2026، التي أسفرت عن مقتل 23 شخصاً وتشريد أكثر من 100 ألف آخرين، تؤكد الحاجة الملحة لإصلاح شامل لقطاع الأمن.
وختم كوغل بالقول إن “سوريا ستبقى عالقة في دوامات العنف ما لم تتم محاسبة القادة المسؤولين عن الانتهاكات وإجراء إصلاح هيكلي حقيقي لقطاع الأمن”.