الرقة – غادة علي
وصل صباح اليوم الأحد عشرات المدنيين المهجرين من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب إلى مدينة الرقة، بعد موجة تهجير قسري فرضتها الاشتباكات والمعارك بعد الهجمات التي شنتها قوات وزارة الدفاع في الحكومة السورية الانتقالية، والتي أدّت إلى تدهور حاد في الأوضاع الأمنية والإنسانية داخل الأحياء السكنية.
المهجرون، ومعظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، وصلوا في ظروف بالغة الصعوبة، بعد رحلة شاقة اتسمت بالخوف والبرد وانعدام أبسط مقومات السلامة، وقد عكست شهاداتهم حجم المعاناة التي رافقت خروجهم المفاجئ من منازلهم، وسط دمار واسع وضغوط نفسية قاسية، مع غياب أي استعداد مسبق أو خطط واضحة للنزوح.
ويقول عرب شيخو، وهو أب لخمسة أطفال من سكان حي الشيخ مقصود، في شهادة لصحيفة “السوري”، إن قرار الخروج جاء بشكل مفاجئ وتحت ضغط الخوف المتزايد مع تصاعد وتيرة الاشتباكات، ويضيف أن العائلة غادرت المنزل على عجل، من دون أن تتمكن من حمل أي من مستلزماتها الأساسية، مكتفية بما كانت ترتديه من ملابس فقط.
ويؤكد شيخو أن البرد القارس شكّل التحدي الأكبر، لا سيما بالنسبة لأطفاله، في ظل غياب الأغطية ووسائل التدفئة، مشيراً إلى أن مشهد ارتجاف الأطفال من شدة البرد كان الأكثر إيلاماً خلال رحلة التهجير، كما يلفت إلى أن القلق لم يقتصر على الظروف المناخية، بل امتد إلى حالة عدم اليقين بشأن المصير والوجهة، في ظل غياب أي مكان آمن أو خطة واضحة للاستقرار.
ويتابع أن العائلة تنقلت لساعات بين نقاط تجمع ومراكز إيواء مكتظة، قبل أن تتمكن لاحقاً من الوصول إلى الرقة للإقامة المؤقتة، إلا أنه يصف هذا الحل بالهش وغير المستقر، في ظل تزايد أعداد المهجرين وضيق الإمكانيات، معبّراً عن خشيته من فقدان الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم، خصوصاً لأطفاله الذين يحتاجون إلى الدفء والاستقرار قبل أي شيء آخر.
“خرجت وتركت باب المنزل مفتوحاً”
إلى جانب عرب شيخو، تروي غدير الجاسم، وهي أم لثلاثة أطفال وناجية من حي الشيخ مقصود، تفاصيل اللحظات الأولى للنزوح، قائلة: “في تلك اللحظة لم أفكر بشيء سوى بأطفالي. خرجنا بسرعة، وتركت باب المنزل مفتوحاً، لم أحمل سوى أوراقنا الشخصية وبعض الملابس الخفيفة، ولم ألتفت خلفي”.
وتوضح غدير أن الخوف سيطر على ساعات الخروج الأولى، في ظل أصوات الرصاص وحالة الفوضى التي عمّت الشوارع، حيث كان الأهالي يركضون في كل الاتجاهات والأطفال يبكون، وتضيف: “كنت أحاول طمأنة أطفالي بأننا سنصل إلى مكان آمن، حتى لو كان بلا كهرباء أو ماء، المهم أن ننجو”.
وتشير إلى أن رحلتها انتهت في الرقة، لكنها تواجه معاناة إضافية لم تكن في الحسبان، إذ يعاني ابنها الأصغر من مرض الربو، ما يجعل البرد عاملاً مضاعفاً في تدهور حالته الصحية، في ظل نقص الأدوية وصعوبة الحصول عليها بشكل منتظم.
وتقول غدير: “لا نطلب الكثير، نريد فقط مكاناً آمناً ودافئاً، والقليل من الاستقرار. كل ما نريده هو العيش بكرامة لحين عودتنا إلى بيوتنا”، كما تعبّر عن قلقها من انقطاع أطفالها عن التعليم، بعد تركهم مدارسهم وامتحاناتهم، من دون معرفة متى سيتمكنون من العودة إلى مقاعد الدراسة.
وبحسب شهادات متقاطعة، توزّع المهجرون من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية على عدة مناطق، شملت مدينة حلب وريفها الشمالي، فيما توجه عدد كبير منهم إلى مناطق عفرين وشران ومحيطهما، بحثاً عن مأوى مؤقت لدى أقارب أو داخل مراكز إيواء تعاني أساساً من الاكتظاظ وضعف الخدمات.
هذا التشتت الجغرافي فاقم من صعوبة الاستجابة الإنسانية، لا سيما مع الارتفاع الكبير في أعداد المهجرين خلال فترة زمنية قصيرة، ما وضع ضغطاً إضافياً على البنية الخدمية المحدودة في المناطق المستقبِلة.
من جانبه، يقول الشاب نضال القادر إنه نجا من حي الشيخ مقصود في توقيت بالغ الصعوبة، وسط فصل الشتاء والبرد القارس وارتفاع تكاليف المعيشة. ويؤكد أن أكثر ما يثير قلقه هو انعدام أفق المستقبل، سواء فيما يتعلق بإمكانية العودة إلى الحي أو الاستقرار في مكان بديل.
ويشير القادر إلى أن فئة الشباب تُعدّ من الأكثر تضرراً في هذه الظروف، إذ يجدون أنفسهم عالقين بين الحاجة الملحّة إلى العمل لتأمين لقمة العيش، وبين مسؤوليات متزايدة تجاه أسرهم، في ظل واقع معيشي قاسٍ وغياب أي ضمانات للاستقرار.
تعكس هذه الشهادات جانباً من المعاناة الإنسانية التي يعيشها المهجرون من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، في وقت لا تزال فيه أوضاعهم محفوفة بالمخاطر، وسط نقص حاد في المساعدات الإنسانية وغياب حلول مستدامة تضمن لهم الأمان والعودة الطوعية إلى منازلهم.