دمشق/ مرجانة إسماعيل
حيث تزداد كلفة المعيشة يوماً بعد يوم في مدينة دمشق، تعمل مئات الممرضات في عيادات الأطباء الخاصة والمخابر الطبية في ظروف توصف بالصعبة، مقابل أجور متدنية لا تتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهن. هذه المشكلة، التي باتت حديثاً متكرراً في الأوساط الصحية، لا تنعكس فقط على الواقع المعيشي للممرضات، بل تمتد آثارها إلى جودة الخدمات الصحية المقدمة للمرضى، وإلى استقرار القطاع الطبي ككل.
في إحدى العيادات الداخلية بمنطقة البرامكة، تبدأ “رانيا”، وهي ممرضة في أوائل الثلاثينات، يومها منذ الصباح الباكر. تقوم بتنظيم دور المرضى، قياس الضغط والحرارة، تحضير الأدوات الطبية، مساعدة الطبيب أثناء الفحص، وأحياناً تهدئة المرضى الذين ينتظرون لساعات. تقول رانيا إن عملها لا يتوقف تقريباً طوال ساعات الدوام، ومع ذلك تتقاضى أجراً شهرياً بالكاد يغطي أجور المواصلات وبعض الاحتياجات الأساسية. تضيف بأسى أن شعورها بالتعب ليس جسدياً فقط، بل نفسياً أيضاً، خاصة عندما تقارن حجم الجهد المبذول بالدخل المحدود الذي تحصل عليه.
في مخبر تحاليل طبية بمنطقة المزة، تعمل “سلمى” كممرضة مخبر منذ أربع سنوات. تبدأ مهامها بسحب العينات من المرضى، مروراً بتجهيزها وتشغيل الأجهزة، وانتهاءً بمتابعة النتائج وتسليمها. تؤكد سلمى أن الخطأ في عملها غير مسموح، لأن أي نتيجة غير دقيقة قد تؤثر مباشرة على تشخيص المريض. ورغم هذه المسؤولية الكبيرة، تقول إن أجرها بقي ثابتاً تقريباً منذ بداية عملها، في وقت ارتفعت فيه أسعار الغذاء والإيجارات بشكل كبير. تشعر سلمى أن مهنتها لا تُقدَّر مادياً رغم أهميتها.
وتشير ممرضات أخريات إلى أن العمل في العيادات الخاصة غالباً ما يكون خارج إطار عقود واضحة. “هند”، وهي ممرضة تعمل في عيادة نسائية بدمشق القديمة، تقول إن الاتفاق يكون شفهياً في معظم الأحيان، ولا يتضمن أي ضمانات تتعلق بساعات العمل أو الإجازات أو التعويضات. تضيف أن ساعات العمل قد تمتد أحياناً إلى المساء دون مقابل إضافي، وأن الاعتراض قد يعني خسارة الوظيفة بسهولة. هذا الواقع يجعل الكثير من الممرضات يشعرن بعدم الأمان الوظيفي، ويضعهن تحت ضغط دائم.
ولا يختلف الوضع كثيراً في المخابر الصغيرة المنتشرة في أحياء دمشق. فبحسب “نور”، وهي ممرضة شابة، فإن العمل في المخبر يتطلب دقة عالية والتزاماً صارماً بإجراءات السلامة، خاصة عند التعامل مع عينات الدم. ورغم المخاطر المحتملة، لا تحصل الممرضات في كثير من الأحيان على أي بدل خطر، ويُطلب منهن أداء مهام إضافية دون زيادة في الأجر. تقول نور إن هذا الوضع يدفع بعض زميلاتها إلى البحث عن عمل آخر، حتى لو كان خارج المجال الصحي.
الأثر الاجتماعي لقلة الأجور يبدو واضحاً في حياة الممرضات اليومية. كثيرات منهن يضطررن للعمل في أكثر من مكان لتأمين دخل يكفي للمعيشة، ما ينعكس إرهاقاً دائماً وتراجعاً في القدرة على التركيز. “ميساء”، وهي ممرضة تعمل صباحاً في عيادة أطفال ومساءً في مخبر، تقول إن يومها يمتد لأكثر من اثنتي عشرة ساعة، وإنها بالكاد تجد وقتاً للراحة. تؤكد أن هذا الضغط المستمر يؤثر على صحتها، لكنها لا ترى بديلاً في ظل انخفاض الأجور.
من جهة أخرى، يرى بعض الأطباء أن المشكلة حقيقية، لكنهم يعزونها أحياناً إلى الظروف الاقتصادية العامة. أحد الأطباء في منطقة المالكي، فضّل عدم ذكر اسمه، قال إن العيادات نفسها تعاني من ارتفاع التكاليف، لكن ذلك لا ينفي ضرورة إيجاد حلول أكثر عدلاً للممرضات، لأن استقرار الكادر التمريضي ينعكس إيجاباً على العمل الطبي ككل.
قلّة أجور الممرضات في دمشق لا تُعد مجرد مسألة مالية، بل قضية تمس كرامة المهنة واستدامتها. فالممرضة ليست عاملاً مساعداً فحسب، بل شريك أساسي في العملية العلاجية. تجاهل هذا الدور، واستمرار الأجور المتدنية، يدفع الكثيرات إلى التفكير بترك المهنة أو البحث عن فرص خارج البلاد، ما يهدد بفراغ تدريجي في هذا القطاع الحيوي.
وتبدو الحاجة ملحّة لإعادة النظر في واقع أجور الممرضات في عيادات دمشق ومخابرها، بما يضمن لهن حياة كريمة واستقراراً مهنياً. فالنهوض بالقطاع الصحي لا يكتمل دون إنصاف من يقفون في الصفوف الأولى، يعملون بصمت، ويقدّمون جهداً يومياً كبيراً مقابل أجر لا يزال بعيداً عن الحد الأدنى للعيش الكريم.