درعا/ رجاء مختار
في شوارع درعا، تتوزع الأكشاك الصغيرة على الأرصفة والزوايا الضيقة، لتشكل مشهداً يومياً أصبح جزءاً من حياة السكان. من أكشاك بيع الخضروات والفواكه إلى تلك المتخصصة بالوجبات السريعة أو المشروبات، أصبح هذا الشكل من التجارة ظاهرة واضحة تعكس واقعاً اقتصادياً واجتماعياً معقداً.
يقول علي، بائع خضروات في حي طريق السد، مبتسماً بين صناديق الطماطم والباذنجان: “بدأت عملي هنا قبل ثلاث سنوات. لم أجد فرصة لفتح محل كبير، والأكشاك تمنحني دخلاً يومياً رغم صعوبة الظروف.”
الانتشار الكبير للأكشاك ليس مجرد مسألة تجارة، بل يرتبط مباشرة بواقع البطالة ونقص الفرص الوظيفية في درعا. فمع انخفاض الوظائف الرسمية وارتفاع معدلات الفقر، أصبح الكثير من الشباب يبحث عن أي وسيلة لكسب رزقه.
ليلى، شابة في الثانية والعشرين، تدير كشكاً لبيع السندويشات في حي طريق السد أيضاً، تقول: “بعد أن فقدت عملي في شركة صغيرة، لم يكن أمامي خيار سوى هذا الكشك. العمل صعب، لساعات طويلة تحت الشمس، لكن على الأقل أستطيع دفع إيجار المنزل والمساعدة في مصاريف العائلة.”
لا يقتصر دور الأكشاك على توفير مصدر دخل لأصحابها، بل أصبحت أيضاً نقطة التقاء اجتماعية. ففي كل زاوية تقريباً، يقف السكان لشراء احتياجاتهم اليومية، يتبادلون الأخبار ويستمعون إلى حكايات الجيران. محمد، صاحب كشك لبيع المشروبات الباردة، يقول: “الزبائن ليسوا مجرد عملاء، هم جيراني وأصدقائي. أتعرف على كل ما يحدث في الحي من خلالهم. الكشك أصبح جزءاً من حياة الناس اليومية.”
مع ذلك، انتشار الأكشاك جاء مع تحديات كبيرة. بعض أصحاب المحلات الرسمية يرون في هذه الأكشاك منافسة غير عادلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر ببيع نفس المنتجات بأسعار أقل. سعيد، صاحب محل بقالة في حي المنشية، يقول: “الأكشاك تأخذ زبائني، وأحياناً دون أي التزام بالقوانين. نحاول الصبر، لكن الأمر يضغط على أرباحنا.” كما أن بعض الأكشاك تعمل في مناطق مزدحمة، ما يعيق حركة المارة والمركبات، ويخلق أحياناً احتكاكاً بين أصحاب الأكشاك والسلطات المحلية.
السلطات المحلية في درعا لم تجد حتى الآن حلاً واضحاً لهذا الانتشار. بعض المحاولات لتنظيم الأكشاك من خلال تراخيص مؤقتة أو تخصيص مناطق معينة لم تنجح بشكل كامل، لأن معظم أصحاب الأكشاك يفضلون الأماكن المزدحمة والمربحة رغم المخاطر. حسن، موظف في قسم التنظيم البلدي، يقول: “نحاول التوازن بين حقوق أصحاب الأكشاك وحماية حركة المرور، لكن الكثافة الكبيرة وصعوبة الرقابة تجعل الأمر تحدياً يومياً.”
من الجانب الاجتماعي، تشير بعض الدراسات المحلية إلى أن انتشار الأكشاك مرتبط أيضاً بالتحولات في أنماط الاستهلاك. فقد أصبح السكان يعتمدون بشكل متزايد على الحلول السريعة، سواء للوجبات أو للخضروات الطازجة، بدلاً من الذهاب إلى الأسواق الكبيرة. فالأكشاك تقدم خدمة قرب المنزل والسرعة في الشراء. عبير، أم لطفلين، تقول: “أفضل شراء الخضروات والخبز من الكشك القريب. لا أملك وقتاً للذهاب إلى السوق، وأحياناً الأسعار تكون أفضل.”
في المقابل، يرى بعض الشباب أن العمل في الأكشاك يشكل بداية لمشاريع أكبر. علي، بائع الخضروات، يحلم بتوسيع نشاطه وفتح محل صغير، قائلاً: “الكشك علمني التجارة وإدارة المال، وحتى لو كانت الأرباح محدودة الآن، أتعلم خطوة خطوة كيف أبني مشروع أكبر.” هذه الرؤية تعكس كيف يمكن لظاهرة تبدو بسيطة أن تتحول إلى فرصة للتدريب على ريادة الأعمال، رغم صعوبة الظروف الاقتصادية.
لكن انتشار الأكشاك ليس بلا مخاطرة. فالعمل لساعات طويلة تحت الشمس، والتعامل المستمر مع الزبائن، والاعتماد على الدخل اليومي يجعل حياة أصحاب الأكشاك غير مستقرة. ناهيك عن المخاطر القانونية، فغياب التراخيص الرسمية قد يؤدي إلى مصادرة البضائع أو دفع غرامات. أحمد، صاحب كشك لبيع العصائر، يقول: “خسرت الكثير من المال بسبب مصادرة بعض المعدات. نحاول التأقلم، لكن الأمر محبط أحياناً.”
وتشكل الأكشاك في درعا صورة حية عن الاقتصاد غير الرسمي، وعن قدرة الناس على التكيف مع الظروف الصعبة، لكنها أيضاً تعكس نقص الفرص والغياب شبه الكامل للدعم المؤسسي. من خلال قصص علي وليلى ومحمد وحسن وعبير، يبدو واضحاً أن الأكشاك ليست مجرد تجارة صغيرة، بل حلقة في شبكة الحياة اليومية، تعكس التحديات الاقتصادية والاجتماعية، لكنها تمنح أيضاً مساحة للأمل، والإبداع، وإيجاد مورد رزق في مدينة تعيش بين تحديات متعددة.
مع استمرار هذه الظاهرة، يظل السؤال قائماً: هل ستتمكن السلطات والمجتمع من تنظيم هذا القطاع بشكل يحمي حقوق الجميع، أم ستظل الأكشاك مجرد علامة على واقع اقتصادي هش يحتاج إلى حلول أكثر شمولية واستدامة؟