حلب
لم يعد التصعيد العسكري الذي يشهده حيّا الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب حدثاً استثنائياً أو طارئاً، بل بات نمطاً يتكرر كلما دخل المشهد السوري مرحلة سياسية أو أمنية حساسة، ما يطرح تساؤلات جدية حول أسباب هذا التكرار، والأطراف التي تجد في استمرار التوتر والعنف المحدود مصلحة مباشرة أو غير مباشرة.
فخلال السنوات الماضية، حافظ الحيّان على مستوى من الاستقرار النسبي داخل مدينة عاشت واحدة من أعنف المعارك وأكثرها تعقيداً في سوريا.
هذا الاستقرار لم يكن نتيجة فراغ أمني، بل جاء ثمرة توازنات دقيقة، وإدارة محلية اعتمدت على قوى الأمن الداخلي، إلى جانب إجراءات ميدانية ومدنية وإدارية جنّبت المنطقة الانزلاق إلى مواجهات واسعة، ووفّرت للسكان هامشاً من الأمان قياساً ببقية أحياء المدينة.
غير أن هذا الواقع ظل هشاً، وقابلاً للاهتزاز في أي لحظة، مع كل تغيير في موازين القوى أو في المقاربات السياسية المتعلقة بملف شمال سوريا عموماً، وهو ما يفسر جزئياً لماذا يتحول الشيخ مقصود والأشرفية، في كل مرة، إلى ساحة اشتباك أو ضغط أمني.
لماذا يتكرر التصعيد؟
تشير معطيات ميدانية وشهادات محلية إلى أن التصعيد لا ينفجر فجأة، بل يسبقه عادة مسار تراكمي من الضغوط، يبدأ بإجراءات خدمية ومعيشية، مثل تقييد إدخال المواد الأساسية أو التضييق على حركة المدنيين، ثم يتطور إلى استفزازات أمنية وتحركات عسكرية محدودة، وصولاً إلى اشتباكات مباشرة.
هذا الأسلوب يعكس محاولة لاختبار صلابة الترتيبات القائمة في الحيّين، ودفع القوى المحلية إلى ردود فعل دفاعية، بما يسمح لاحقاً بتبرير خطوات أكثر تشدداً تحت عنوان “استعادة الأمن” أو “فرض سلطة الدولة”، وفي هذا السياق، يتحول المدنيون إلى الحلقة الأضعف، يدفعون ثمن التصعيد حصاراً وخوفاً وتهديداً دائماً لحياتهم اليومية.
كما أن خصوصية الشيخ مقصود والأشرفية، من حيث تركيبتهم السكانية والإدارية، تجعلهم هدفاً دائماً لمحاولات إعادة الضبط القسري، في ظل رفض أي نموذج يخرج عن المركزية الصارمة أو يكرّس أشكالاً من الإدارة المحلية المستقلة داخل المدن الكبرى.
الأمن أم السياسة؟
اللافت في معظم جولات التصعيد، أنها تُقدَّم غالباً بوصفها إجراءات أمنية بحتة، أو ردوداً على “حوادث ميدانية”، غير أن قراءة أوسع للمشهد تكشف تداخلاً واضحاً بين الأمن والسياسة، فالتصعيد لا يحدث في فراغ، بل يأتي غالباً في لحظات تشهد فيها البلاد نقاشات حول مستقبل الإدارة المحلية، أو إعادة ترتيب العلاقة بين السلطة المركزية والقوى المسيطرة فعلياً على الأرض.
من هنا، يبدو أن اللجوء إلى الضغط العسكري المحدود يُستخدم أداةً سياسية بامتياز، هدفها فرض وقائع جديدة، أو تحسين شروط التفاوض، أو إيصال رسائل داخلية بأن النموذج القائم في الشيخ مقصود والأشرفية ليس محصناً، ويمكن تقويضه متى ما دعت الحاجة.
السؤال الأهم الذي يفرض نفسه، من المستفيد من استمرار التوتر في سوريا، عموماً، وفي حلب تحديداً؟
أول المستفيدين هم أطراف ترى في الاستقرار النسبي تهديداً لمشاريعها، سواء كانت مشاريع سياسية مركزية، أو مصالح فصائلية، أو شبكات اقتصادية وأمنية تعيش على اقتصاد الحرب والفوضى، فالتوتر حتى وإن كان منخفض الحدة، يبرر استمرار القبضة الأمنية، ويؤجل أي استحقاقات سياسية حقيقية، ويُبقي المجتمع في حالة إنهاك دائم.
كما أن استمرار الاشتباكات المتقطعة يساهم في إضعاف النسيج الاجتماعي، وتعميق الشكوك بين المكونات المحلية، ما يسهل التحكم بها لاحقاً، ويحول دون تشكل أي جبهة مدنية ضاغطة تطالب بحلول شاملة أو بإصلاحات حقيقية.
أما الخاسر الأكبر، فهم المدنيون، الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين حسابات لا علاقة لهم بها، وتوازنات تُدار فوق رؤوسهم، من دون أي ضمانات حقيقية لحمايتهم أو احترام الاتفاقات السابقة التي كفلت لهم قدراً من الأمان.
مخاطر الاستمرار في النهج ذاته
إن تكرار التصعيد في الشيخ مقصود والأشرفية لا ينذر فقط بتفجير الوضع في هذين الحيين، بل يحمل مخاطر أوسع على مدينة حلب ككل، فحلب التي لم تتعاف بعد من آثار الحرب، لا تحتمل جولات جديدة من العنف، حتى وإن بدت محدودة أو موضعية.
كما أن تقويض نماذج الاستقرار النسبي، من دون تقديم بدائل واضحة وقابلة للحياة، قد يفتح الباب أمام فراغ أمني أو صراعات أشد تعقيداً، ويعيد إنتاج دوامة العنف التي عانت منها سوريا لسنوات.
تظهر التجربة أن الحلول الأمنية وحدها لم تنجح في إنهاء الأزمات السورية، بل غالباً ما عمّقتها، وفي حالة الشيخ مقصود والأشرفية، يبدو أن العودة إلى منطق الحوار، واحترام التفاهمات القائمة، والاعتراف بخصوصية المناطق واحتياجات سكانها، هو الخيار الوحيد القادر على منع الانزلاق نحو مواجهات أوسع.
فالتصعيد المتكرر ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة خيارات سياسية وأمنية يمكن تغييرها. وما لم يتم كسر حلقة التوتر المستدام، سيبقى الشيخ مقصود والأشرفية، ومعهما مدن سورية أخرى، ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات، في بلد يدفع شعبه ثمناً باهظاً لاستمرار الصراع دون أفق واضح للحل.