طهران
تتواصل الاحتجاجات في إيران، بعد أن انطلقت من السوق الرئيسة في طهران قبل أيام، قبل أن تتوسع سريعاً لتشمل مدناً ومناطق مختلفة، وسط تصاعد لافت في وتيرة الاعتقالات، ولا سيما في صفوف الأطفال والمراهقين دون 18 سنة، وفق ما تؤكده شهادات عائلات ومصادر حقوقية وتقارير ميدانية متطابقة.
وخلال الأيام الماضية، أفاد عدد كبير من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي باعتقال أطفال من عائلاتهم وأقاربهم في مناطق مختلفة من إيران، مؤكدين أنهم لا يملكون أية معلومات عن الحالة الجسدية أو النفسية لأبنائهم، أو مكان احتجازهم، أو الجهة المسؤولة عن اعتقالهم.
وتزامن ذلك مع مشاركة فئات واسعة من المجتمع في الاحتجاجات الراهنة، التي بدأت من سوق طهران، ثم تجاوزت مركز العاصمة وامتدت إلى مدن أخرى، حيث شارك فيها طلاب وشباب ومتقاعدون، إلا أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن مشاركة من هم دون 18 سنة كانت هذه المرة لافتة وواضحة بشكل غير مسبوق.
وانعكس هذا الحضور بشكل مباشر على أرقام الاعتقالات وحالات الاختفاء، إذ تكشف التقارير عن اعتقال عدد كبير من الأطفال بعد تعرضهم للضرب المبرح ونقلهم إلى أماكن مجهولة.
وأفادت عشرات العائلات بأنها لا تعلم شيئاً عن مصير أو مكان احتجاز أبنائها القاصرين، فيما جرت بعض الاعتقالات عبر مداهمة المنازل من قبل القوات الأمنية وبأساليب عنيفة، إضافة إلى نشر تقارير عن مقتل عدد من الأطفال خلال هذه الاحتجاجات.
وتشير المعطيات الحقوقية إلى أن ما يجري يشكل انتهاكاً صارخاً لاتفاق حقوق الطفل، الذي تعد إيران من الدول الأعضاء الملتزمة بتنفيذه، والذي ينص على إعطاء مصلحة الطفل الأولوية في جميع الإجراءات المتعلقة بالأطفال، ويحظر الاعتقال غير القانوني أو التعسفي لهم، ويؤكد أن توقيف الطفل أو اعتقاله أو سجنه يجب أن يكون الملاذ الأخير ولأقصر مدة ممكنة.
كما يلزم الاتفاق الدول بالامتناع عن تجريم السلوكيات التي تندرج ضمن الحقوق الأساسية للأطفال، وبالتعامل مع الأطفال المخالفين للقانون بما يتناسب مع سنهم وكرامتهم الإنسانية واحتياجاتهم.
وبموجب هذه الالتزامات، يعد استخدام العنف أثناء الاعتقال، واحتجاز الأطفال في أماكن مجهولة، وحرمانهم من التواصل مع عائلاتهم، وخلق أجواء الترهيب والخوف، انتهاكاً واضحاً للحقوق الأساسية للطفل.
ويعترف الاتفاق بحق الأطفال في حرية التعبير والرأي والمشاركة في إبداء وجهات نظرهم في القضايا المتعلقة بحياتهم ومستقبلهم، من دون التعرض للملاحقة أو الاعتقال أو العقاب بسبب ممارستهم السلمية لهذه الحقوق.
وتؤكد الشواهد الميدانية أن هذه الالتزامات لم تُحترم خلال الاحتجاجات الأخيرة، إذ تفيد تقارير بأن عدداً كبيراً من الأطفال تعرضوا لأشكال قاسية من العنف أثناء اعتقالهم، بما في ذلك الضرب والتهديد والترهيب.
ومن بين الحالات الموثقة، اعتقال الطفل محمد معين ملكي (16 سنة) من مدينة دهلران، بعد مداهمة القوات الأمنية لمنزل عائلته واستخدام العنف، قبل نقله إلى مكان مجهول.
وخلال الفترة الماضية، أكد مستخدمون على وسائل التواصل الاجتماعي أن قطع الاتصال بين الأطفال المعتقلين وعائلاتهم، واحتجازهم في أماكن مجهولة، وحرمانهم من الحد الأدنى من الضمانات القانونية، يمثل مصداقاً واضحاً للإخفاء القسري وانتهاكاً صارخاً لحقوق الطفل.
وفي موازاة ذلك، نشرت وكالات أنباء رسمية وحكومية مقاطع فيديو لفتاتين مراهقتين تعترفان، ضمن حوار موجه وتحت السيطرة، بتلقي أموال لتنظيم تجمع في إحدى مناطق طهران، كما سبق أن نشر أحد المواقع التابعة للنظام مقطعاً لفتى مراهق اعتُقل بعد ترديده شعارات حادة، ظهر فيه فاقداً للسيطرة على نفسه نتيجة الخوف الشديد.
وقدّرت مصادر حقوقية عدد المعتقلين في هذه الجولة من الاحتجاجات بما بين 1000 و1500 شخص، إلا أن الشواهد الميدانية تشير إلى أن عدد المعتقلين بين السابع والسادس عشر من ديسمبر (كانون الأول) كان أكبر بكثير مما أعلن رسمياً.
وفي ظل غياب الشفافية وعدم توفر أرقام دقيقة، تؤكد شهادات المواطنين أن عدداً كبيراً من المعتقلين، ولا سيما الأطفال والمراهقين، تعرضوا لأشد أشكال القمع والعنف أثناء اعتقالهم.
وبالإضافة إلى الاعتقالات، تفيد التقارير بمقتل عدد من الأطفال خلال الاحتجاجات الأخيرة، من دون إعلان رسمي عن أعدادهم أو ظروف مقتلهم، في ظل غياب كامل للشفافية.
وتشير مجمل المعطيات الميدانية وشهادات الشهود وتقارير المنظمات الحقوقية إلى نمط منهجي ومقلق في قمع الاحتجاجات، مع تركيز واضح على الأطفال والمراهقين، من خلال الاعتقال التعسفي، والضرب المبرح، واحتجاز القاصرين في أماكن مجهولة، وقطع الاتصال مع عائلاتهم، في انتهاك صريح للمبادئ الأساسية لحماية الطفل.