لكل السوريين

من الهزيمة إلى المناورة.. كيف يحاول “داعش” رفع كلفة الحكم في سوريا؟

تشهد الساحة السورية منذ مطلع عام 2026 تحولات أمنية وسياسية لافتة، انتقلت معها البلاد من حالة اضطراب متعددة الجبهات إلى مرحلة من الهدوء النسبي، ترافق مع محاولات لإعادة تشكيل البنية الأمنية وترسيخ معادلات حكم جديدة. غير أن هذا المشهد، الذي تتابعه صحيفة الشرق الأوسط، يخفي وراءه سباقاً غير معلن مع تنظيم «داعش»، الذي يسعى إلى إعادة التموضع ورفع «تكلفة الحكم» عبر تكتيكات جديدة أكثر مرونة وخطورة.

من «الخلافة» إلى حرب العصابات

لم يعد «داعش» كما كان قبل سنوات؛ فقد تخلى عن نموذج السيطرة الجغرافية لصالح نمط «اللامركزية القتالية». ويعتمد التنظيم اليوم على مجموعات صغيرة متنقلة تنفذ هجمات خاطفة، مستفيداً من الطبيعة الصحراوية الممتدة في البادية السورية، خاصة بين دير الزور والرقة وحمص.

وخلال شهر مارس (آذار) 2026 وحده، نفذ التنظيم عشرات العمليات التي استهدفت مواقع عسكرية وأمنية، في مؤشر واضح على انتقاله إلى استراتيجية استنزاف طويلة الأمد تستهدف تقويض الاستقرار بدلاً من السيطرة المباشرة.

استغلال الفراغات… ولكن بحدود

جاءت إعادة انتشار القوات الأميركية وانسحابها من بعض القواعد في شرق سوريا لتخلق حالة من الارتباك المؤقت، حاول التنظيم استغلالها. إلا أن هذا الفراغ لم يتحول إلى فرصة استراتيجية كاملة، نتيجة دخول أطراف محلية فاعلة لملء هذا الحيز الأمني.

في هذا السياق، برز دور قوات سوريا الديمقراطية «قسد» بوصفها أحد أبرز الفاعلين في مكافحة الإرهاب، حيث ساهمت خلال السنوات الماضية في تفكيك البنية الصلبة للتنظيم، ولا تزال تشكل خط دفاع أساسياً في مناطق شمال وشرق سوريا. وقد أثبتت «قسد» قدرتها على إدارة الملف الأمني وملاحقة الخلايا النائمة، مما حدّ بشكل كبير من قدرة التنظيم على إعادة بناء شبكاته في تلك المناطق.

«قسد»… دور محوري في كبح التمدد

رغم التحديات السياسية والعسكرية، نجحت «قسد» في الحفاظ على قدر من الاستقرار في مناطق سيطرتها، ومنعت «داعش» من استعادة بيئة حاضنة حقيقية، خاصة بعد تضييق الخناق على شبكات التجنيد داخل المخيمات ومراقبة التحركات في المناطق الحساسة.

كما أن التنسيق غير المباشر بينها وبين التحالف الدولي أسهم في توجيه ضربات دقيقة لمعاقل التنظيم، ما أدى إلى إضعاف قدراته اللوجستية والبشرية.

الرهان على التناقضات الاجتماعية

يعتمد «داعش» حالياً على استراتيجية تقوم على استغلال التوترات الاجتماعية، خصوصاً في المناطق التي شهدت تغيراً في السيطرة. ويحاول التنظيم اللعب على المخاوف العشائرية والتباينات المحلية، مقدماً نفسه كبديل أو «حامٍ» لبعض الفئات، وهي ورقة لطالما استخدمها في مراحل سابقة.

لكن هذه المحاولات تصطدم بواقع ميداني مختلف، حيث لم تعد البيئة الاجتماعية مهيأة كما في السابق لتقبّل وجوده، في ظل تزايد الوعي بخطورته وتجربته السابقة.

التجنيد… المعركة الأخطر

يركز التنظيم بشكل متزايد على استقطاب الشباب، خصوصاً من أبناء المخيمات أو المناطق التي تعاني من تدهور اقتصادي. ويستخدم لذلك أدوات حديثة ومنصات مشفرة، إلى جانب خطاب ديني وسياسي يحاول إعادة إنتاج روايته الأيديولوجية.

إلا أن هذه الجهود تواجه تحديات متزايدة، في ظل الرقابة الأمنية وتكثيف البرامج المحلية والدولية لمكافحة التطرف.

الحكومة السورية المؤقتة… رهان الاستقرار

في المقابل، تعوّل الأوساط السياسية والأمنية على دور الحكومة السورية المؤقتة في تعزيز الاستقرار والحد من ظواهر التطرف، من خلال بناء مؤسسات أمنية أكثر كفاءة، وإطلاق برامج تنموية تعالج جذور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.

وقد بدأت الحكومة بالفعل باتخاذ خطوات في هذا الاتجاه، من خلال حملات أمنية واسعة استهدفت الخلايا النائمة، ونجحت في إحباط عمليات نوعية، إضافة إلى محاولات إعادة دمج بعض العناصر ضمن تسويات محلية.

تضييق الخناق… وتراجع العمليات

أدت العمليات الأمنية المكثفة، بالتوازي مع الضربات الجوية للتحالف الدولي، إلى تراجع ملحوظ في نشاط التنظيم منذ منتصف مارس 2026. كما ساهمت هذه الضغوط في تفكيك شبكات الدعم الداخلي وإرباك قنوات الاتصال بين القيادات والعناصر الميدانية.

وتشير معطيات ميدانية إلى أن بعض عناصر التنظيم بدأوا بالانسحاب إلى مناطق نائية أو طلب تسويات، في ظل تراجع الموارد وصعوبة الحركة.

معركة طويلة… ولكن ملامح الحسم تتشكل

رغم تراجع نفوذه، لا يزال «داعش» يمتلك القدرة على التكيف والبقاء، مستفيداً من مرونته التنظيمية. إلا أن المعادلة الحالية تختلف عن السابق، مع وجود تنسيق أمني أكبر بين القوى المحلية والدولية، ودور متقدم لكل من «قسد» والحكومة السورية في احتواء التهديد.

في المحصلة، تبدو سوريا اليوم أمام مرحلة جديدة من المواجهة مع الإرهاب، عنوانها «منع العودة» بدلاً من «تحرير الأرض»، وهي معركة تعتمد بقدر كبير على استدامة الاستقرار الأمني، وتعزيز الثقة المجتمعية، ومعالجة جذور التطرف.

- Advertisement -

- Advertisement -