لكل السوريين

الحكومة الانتقالية مساعي للاعتراف الدولي وتفاقم للأزمات الداخلية

الرقة – غادة علي 

تسعى الحكومة السورية الانتقالية إلى نيل الاعتراف والدعم الدولي، في وقت تتفاقم فيه الأزمات المعيشية والخدمية داخل البلاد، وسط تدهور اقتصادي متواصل ينعكس بشكل مباشر على حياة السوريين اليومية، ويعمّق حالة الإحباط الشعبي إزاء غياب أي تحسن ملموس على أرض الواقع.

وتبذل الحكومة الانتقالية مساعي حثيثة على الساحة الخارجية لكسب التأييد الدولي وفتح قنوات الدعم السياسي والاقتصادي، إلا أن هذه التحركات الخارجية تتزامن مع تفاقم غير مسبوق للأزمات المعيشية والخدمية في الداخل، ما يكشف اتساع الهوة بين الخطاب السياسي الموجه إلى الخارج، والواقع الذي يعيشه المواطن السوري، والذي يتسم بتراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية وارتفاع كبير في الأسعار وانهيار القدرة الشرائية إلى مستويات تنذر بمزيد من الفقر والعوز.

فوعود الاستقرار وتحسين الأوضاع الاقتصادية، التي تروج لها الحكومة الانتقالية في محافلها الخارجية، تصطدم بواقع داخلي قاسٍ يتمثل في استمرار تدهور الخدمات، وغياب أي خطط اقتصادية واضحة أو برامج إنقاذ قادرة على وقف الانهيار أو الحد من تداعياته، الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهرية حول أولويات السياسات المعتمدة، ومدى ارتباط الخطاب الرسمي باحتياجات المواطنين الفعلية.

الافتقار لمشروع سياسي

قال الناطق باسم حزب الحداثة والديمقراطية لسوريا محمد رمضان العبود، في تصريح لصحيفة “السوري”، إن الحكومة السورية الانتقالية تفتقر إلى مشروع سياسي واضح، معتبراً أنها حكومة أمر واقع وصلت إلى السلطة بقرار دولي، دون أن تمتلك حتى اليوم مشروعاً سياسياً يضمن استقرار جميع المكونات السورية ويحفظ حقوقهم ويصون كرامتهم.

وأوضح العبود أن الحكومة تطلق حالياً خطابات سياسية تهدف إلى كسب الرأي العام الخارجي واستقطاب تأييد الدول الدولية، إلا أن هذه الخطابات لم تُترجم إلى واقع ملموس داخل سوريا.

وأضاف أن الحكومة، حتى الآن، لم تقدم مشروعاً سياسياً جامعاً لكل السوريين، يحمل طابعاً وطنياً بعيداً عن الطائفية والقومية واللون الواحد، مشيراً إلى أن ما يُطرح من شعارات ورسائل سياسية موجهة إلى الخارج لا تتجاوز كونها “شعارات رنانة لا تسمن ولا تغني من جوع”، في ظل غياب أي تغيير حقيقي يلمسه المواطن على الأرض.

وشدد العبود على ضرورة إعادة صياغة الدستور بما يتناسب مع جميع المكونات السورية، ويضمن حقوقهم وكرامتهم، إلى جانب تبني خطاب وطني جامع داخل الأراضي السورية.

ولفت العبود إلى أن غياب الاستقرار السياسي يشكل عائقاً أساسياً أمام تحقيق أي استقرار اقتصادي، مؤكداً أن جميع الوعود الخارجية، بما في ذلك توقيع اتفاقيات الاستثمار والترويج لمشاريع اقتصادية عملاقة واستقطاب الأيدي العاملة والمهارات، لم تنعكس حتى الآن على الواقع السوري، رغم مرور عام على ما وصفه بتحرير سوريا.

وأضاف أن ما يجري تداوله من وعود استثمارية ما يزال حبراً على ورق، ولا يمت للواقع بصلة، ما يعيد التأكيد على أن الاستقرار الاقتصادي يظل مستحيلاً دون استقرار سياسي حقيقي.

وأشار العبود إلى أن المستثمرين الخارجيين، سواء كانوا عرباً أو أجانب، لا يمكنهم المجازفة بضخ أموالهم أو إنشاء مشاريع كبرى في بلد غير مستقر سياسياً وغير موحد، ولا تزال تعصف به الانقسامات القومية والطائفية والفصائلية، ما يجعل البيئة الاستثمارية طاردة وغير آمنة.

وفي معرض حديثه عن الدور الخارجي، أوضح العبود أن السوريين لا يعولون على القوى السياسية الخارجية في تحقيق الاستقرار داخل البلاد، معتبراً أن القوى المهيمنة تسعى إلى اقتطاع أجزاء من سوريا لخدمة مصالحها، ولا تعمل من أجل وحدة الأراضي السورية أو وحدة الشعب، بل تنتهج سياسة “فرّق تسد” بما يخدم أجنداتها الخاصة.

ودعا الناطق باسم حزب الحداثة والديمقراطية لسوريا القوى السياسية السورية الداخلية إلى توحيد الرؤية والعمل المشترك لبناء سوريا جديدة، تقوم على مشروع وطني جامع يلبّي طموحات ومتطلبات الشعب السوري، ويجمع مختلف المكونات والأطياف والقوميات تحت خطاب وطني واحد، يصون كرامة الجميع ويحفظ حقوقهم ومكتسباتهم.

توسيع الفجوة

من جانبه، قال الرئيس المشترك لاتحاد المحامين في شمال وشرق سوريا، المحامي أنور العسر، إن ما تقوم به الحكومة في دمشق من حشد كامل لطاقاتها على الصعيد الدولي بهدف نيل الاعتراف والدعم، يوسع الفجوة بينها وبين الواقع المعيشي والاقتصادي المتفاقم في الداخل.

وأوضح العسر أن التركيز المكثف على التحركات الخارجية يجب أن يترافق مع تسريع الجهود الرامية إلى تحسين الواقع الاقتصادي والمعيشي، الذي لا يزال يشكل عبئاً ثقيلاً على السوريين.

وأشار إلى أن التجربة السابقة أظهرت أن انسجام الخطاب السياسي الموجه إلى الداخل مع التحركات الخارجية يسهم في تعزيز الحاضنة الشعبية لأي حكومة، بينما يؤدي التردي الاقتصادي والمعيشي، كما هو الحال اليوم، إلى تعميق الفجوة بين السلطة والشعب، وإلى فقدان الثقة بالخطاب الرسمي، خاصة بعد سنوات طويلة من المعاناة التي كان السوريون يأملون أن يعقبها واقع مختلف أكثر استقراراً ورفاهية.

وأكد العسر أن من أولويات الحكومة السورية المؤقتة أمام المجتمع الدولي يجب أن تكون إعادة الإعمار، والاستفادة من القروض طويلة الأجل من الدول المانحة، وتشغيل اليد العاملة لمواجهة أزمة البطالة المستفحلة التي تشكل إحدى أخطر الأزمات في البلاد، وأضاف أن انسجام القرار السياسي الداخلي مع الطروحات التي تقدمها الحكومة في الخارج من شأنه أن ينعكس إيجاباً على الوضع الاقتصادي، ويسهم في تراجع الأزمات الخدمية وارتفاع مستوى المعيشة تدريجياً.

وأكد الرئيس المشترك لاتحاد محامي شمال وشرق سوريا أن الهدف الأساسي لجميع القوى السياسية في سوريا، بمختلف توجهاتها، يجب أن ينصب على تحقيق الانتعاش الاقتصادي، من خلال رؤية واقعية وعلمية قابلة للتنفيذ، تنقل البلاد من وضعها المعيشي المتردي إلى مستوى أفضل.

وشدد على أن حل الخلافات بين المكونات السورية ومعالجة القضايا العالقة تمثل المدخل الأساسي للنمو الاقتصادي، مؤكداً أن كلما كانت الرؤية الاقتصادية مدروسة وواقعية، خفت معاناة المواطن وتحسن الوضع الاقتصادي بشكل تدريجي ومستدام.

 

- Advertisement -

- Advertisement -