لكل السوريين

مهور الزواج.. معضلة الشباب والأهل في حمص وحماة

تقرير/ جمانة الخالد

حيث تصطف البيوت العتيقة والشوارع الضيقة في أحياء حمص القديمة، يتردد صدى النقاش بين الأهالي حول قضية باتت تشغل كل بيت: مهر الزواج والمؤخر. المشكلة لم تعد اقتصادية فحسب، بل انعكاس لأزمة ثقة بين الأجيال.

أبو كمال، رجل في الخمسين من عمره من حي الوعر، لا يخفي قلقه، يقول: “لقد خسرت ابنتي الكبرى بسبب استهتار الزوج الأول، حتى بعد تيسير المهور وتوفير المسكن والعمل له، تخلى عنها. تعلمت من تلك التجربة أن المهر والمؤخر يمثلان الضمان الوحيد للابنة”، قصته ليست استثناء، بل نموذجاً لما يعانيه العديد من الأهالي في حمص وحماة.

على الجانب الآخر، يقف الشباب أمام واقع مختلف سامر، شاب من حماة في الثانية والعشرين من عمره، يروي تجربته بحسرة: “أردت الزواج منذ عامين، لكن أهل الفتاة طالبوا بمهر تجاوز طاقتي بكثير، كان عليّ الاختيار بين الانتظار سنوات طويلة أو الاقتراض. أشعر أن المهر الكبير أصبح عائقاً أمام حياتنا، ويهدد استقرارنا قبل أن تبدأ الحياة الزوجية”، سامر يمثل جيل الشباب الذي يجد صعوبة في تلبية متطلبات الزواج التقليدية، رغم امتلاكهم الأخلاق والرغبة في الالتزام.

تتراوح الآراء بين خوف الأهل من الانتهازية والخيانة، ورغبة الشباب في حياة كريمة من دون ديون كبيرة أو تأجيل طويل للزواج. أبو نادر، موظف حكومي مطلق، يوضح وجهة نظره: “أنا أدرك أهمية المؤخر، لكنه وحده لا يمنع الطلاق. الضمان الحقيقي هو الأخلاق والوفاء، فإذا افتقد الشاب الالتزام، فلن ينقذه حتى المهر الأعلى”، هذا التناقض بين الرغبة في الضمان والثقة بالجيل الجديد يخلق حالة من الصراع النفسي والاجتماعي.

المستشارة الأسرية هالة الشريف، التي عملت لعقدين في مجال الدعم الأسري، تشير إلى أن الأزمة أعمق من مجرد أرقام على الورق. تقول: “المجتمع يواجه مشكلة ثقة في الالتزام الأخلاقي، ويفضل الأهل تسجيل مهر مرتفع كضمان نفسي وسلوكي. التيسير المفرط قد يُسئ فهمه ويجعل الشاب يشعر بأن الزواج لقمة سهلة، لذا يلجأ البعض إلى المهر الكبير كآلية حماية”، وتضيف أن هذا لا يعني أن المال هو الحل لكل المشكلات، بل يمثل جزءاً من منظومة حماية للأسرة، خصوصاً عند الخلل في الالتزام.

قصص كثيرة تدعم هذا الرأي فليلى، فتاة من حمص، كانت مخطوبة لشاب تقدم لها بعد فترة طويلة من التعارف، وقال والدها: “سوف يكون مهرها متوسطاً، مؤخره بسيط، لكن الشرط أن يقدم ما يثبت التزامه بالمسكن والعمل”، على الرغم من أن الشاب كان حسن النية، إلا أن الضمان القانوني الموثق أعطاها راحة نفسية وأهلها طمأنوا إلى أنها محمية في حال وقوع أي طارئ.

وفي السياق ذاته، يوضح الشيخ سامي البستاني، مختص في الفقه الإسلامي، أن المهر حق ثابت للمرأة، والمؤخر ليس مجرد قيمة مالية، بل دين واجب على الزوج. ويشير إلى أن المغالاة في المهور مكروهة شرعاً، وما يجب أن يكون الهدف من تدوين المهر هو ضمان حقوق الزوجة دون تعسير على الشباب، مؤكداً أن التيسير في الزواج من السنن النبوية لمنع الفحشاء وبناء الأسر السليمة.

المحامي رائد عرابي، مختص في قضايا الأحوال الشخصية بحماة، يضيف بعدسة قانونية: “حتى إذا تم تدوين مؤخر مرتفع، فهو يبقى ديناً في ذمة الزوج ويطبق عليه القانون عند الطلاق أو الوفاة. الغرض ليس زيادة الضغط المالي على الزوج، بل توفير حماية قانونية حقيقية للزوجة”، ويوضح أن بعض العائلات تستخدم المهر كضمانة ضد التسرع أو الخذلان، لكنه يجب أن يكون في حدوده المعقولة.

من جهة أخرى، تقترح هالة الشريف حلولاً عملية للتخفيف من حدة المشكلة. من أبرز هذه الحلول إنشاء صندوق دعم اجتماعي للمرأة والأسرة في حمص وحماة، يقدّم دعمًا ماليًا ونفسياً وقانونياً للزوجة في حال الطلاق أو وفاة الزوج، ما يقلل من الاعتماد على المهر المرتفع كضمان فردي. كما تشير إلى أهمية توفير وظائف حكومية أو مهنية للنساء المطلقات والأرامل لضمان كرامتهن واستقلالهن المادي.

ويرى الخبراء أن التوازن هو المفتاح. التيسير في المهور يعكس الالتزام بالسنة النبوية ومنع التعسير على الشباب، بينما يظل تسجيل المؤخر بحدود معقولة ضرورة لحماية حقوق الزوجة. هذا التوازن يحقق مبدأ العدالة الاجتماعية، ويضمن حماية الأسرة من الضغوط الاقتصادية ويعزز الاستقرار المجتمعي. ففي حمص وحماة، كما في باقي المدن السورية، تبقى قضية المهر والمؤخر مزيجاً من التقاليد الشرعية، والحماية الاجتماعية، والتحديات الاقتصادية الحديثة.

- Advertisement -

- Advertisement -