أعلنت الحكومة الإسرائيلية مؤخراً عن إبرام صفقة لتصدير الغاز الطبيعي مع مصر، معتبرةً أن الاتفاق يتوافق مع المصالح الأمنية لإسرائيل ويعزز مكانتها كقوة إقليمية في مجال الطاقة.
وأوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الصفقة تشكّل خطوة استراتيجية لتعظيم دور إسرائيل في أسواق الغاز بالشرق الأوسط، فيما وصف وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين الاتفاق بأنه “لحظة تاريخية اقتصادية وسياسية وأمنية”، مؤكدًا على العائدات المالية الضخمة التي ستدخل خزينة الدولة نتيجة هذا التعاقد.
وأشارت الصحف الإسرائيلية إلى أن استمرار المفاوضات لفترة أطول كان من الممكن أن يخدم المصالح الإسرائيلية بشكل أكبر، إلا أن ضغوط الإدارة الأميركية كانت حاسمة في إتمام الصفقة سريعاً.
فقد سعت واشنطن إلى إنهاء الصفقة لضمان مصالح شركات النفط الأميركية، وتعزيز النفوذ الأميركي في أسواق الطاقة الإقليمية، وتقليل اعتماد المنطقة على الغاز الروسي، وفي هذا الإطار، لعبت الضغوط السياسية والاقتصادية دوراً بارزاً في تحريك الأطراف نحو توقيع الاتفاق، وسط تقديرات بأن مصلحة إسرائيل الاقتصادية والأمنية كانت ستستفيد أكثر من مزيد من المفاوضات.
وعلى الجانب المصري، أثارت الصفقة تساؤلات واسعة بين المراقبين والمحللين بشأن دوافع قبول إسرائيل بالاتفاق بعد رفض سابق، واحتمالية تقديم القاهرة لتنازلات سياسية، خاصة في ظل العلاقة الحساسة بين البلدين.
غير أن الهيئة العامة للاستعلامات المصرية خرجت بتوضيح رسمي، مؤكدة أن الاتفاقية “تندرج ضمن التعاقدات التجارية البحتة، ولا تتضمن أي أبعاد أو تفاهمات سياسية”، وأوضح رئيس الهيئة أن الصفقة تقوم على قواعد السوق وآليات الاستثمار الدولي، بعيدًا عن أي توظيف سياسي أو أي تفسير يربطها بالسياسة الخارجية لمصر.
وأكد المسؤول المصري أن الصفقة تحقق لمصر مصلحة استراتيجية كبيرة، من خلال تعزيز موقعها كمركز إقليمي لتداول الغاز في شرق المتوسط، اعتماداً على بنية تحتية متطورة تشمل محطات الإسالة وشبكات النقل وقدرات التخزين والتداول، ما يضمن استدامة تشغيل هذه الأصول وتعظيم العائد الاقتصادي.
وأشار إلى أن الأطراف المشاركة في الصفقة شركات تجارية دولية، أبرزها شركة شيفرون الأميركية، إلى جانب شركات مصرية متخصصة في استقبال ونقل وتداول الغاز، دون أي تدخل مباشر من الحكومة المصرية في إبرام التعاقدات.
لكن المراقبين المصريين يرون في الصفقة أكثر من مجرد اتفاق تجاري، معتبرين أنها تمس جوهر الأمن القومي والسيادة الوطنية، لأنها تربط مباشرة بين أمن الطاقة المصري والإسرائيلي.
واعتبر الباحث المصري محمود جمال أن “الصفقة لا يمكن النظر إليها على أنها خيار اقتصادي محض، بل تمثل ارتباطاً خطيراً بأحد الملفات الاستراتيجية الحيوية، ما يفتح الباب أمام ضغوط مستقبلية على القاهرة يصعب احتواؤها”.
وأوضح جمال أن الطاقة تمثل عصب الصناعة ومحرك الاقتصاد وأحد مفاتيح الاستقرار الداخلي، وأي ربط لها بطرف معاد تاريخيًا يمكن أن يشكل تهديدًا طويل الأمد للأمن القومي.
وحذر مراقبون آخرون من أن الصفقة قد تُشكل ورقة ضغط سيادية، إذ إن إبرام اتفاقية الغاز مع إسرائيل جاء في ظل غياب ضمانات بعدم تكرار الضغوط السياسية والاقتصادية الإسرائيلية التي شهدتها القاهرة خلال الأعوام السابقة، بما في ذلك تقليص أو وقف إمدادات الغاز بشكل مفاجئ، ما دفع مصر إلى اللجوء للسوق العالمي لتأمين احتياجاتها.
ورأى هؤلاء أن مثل هذا الربط الاستراتيجي بين الدولتين يعزز الاعتماد المصري على إسرائيل في ملف حيوي، وهو ما قد يقيد حرية القرار الوطني على المدى البعيد.
وعلى المستوى الإقليمي، يرى محللون أن توقيت الصفقة يعكس استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى احتواء النفوذ التركي والقطري في قطاع غزة، بعد أن نجحت تل أبيب إلى حد كبير في تحييد النفوذ الإيراني، وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية لصالحها.
وتسعى إسرائيل إلى بناء محور إقليمي في شرق المتوسط يضم قبرص واليونان، ما يتيح مواجهة النفوذ التركي من جهة، وتعزيز التحالف مع مصر والسعودية والبحرين والأردن من جهة أخرى، في إطار جهود منع حركة حماس من تعزيز نفوذها في القطاع، خصوصاً في ظل الدعم التركي والقطري للحركة، والتي تعتبرها إسرائيل تهديداً لاستقرار الأنظمة العربية المعتدلة.
كما تشير تقارير إلى أن الصفقة جاءت أيضاً ضمن خطة أميركية لتوسيع نطاق اتفاقيات الإبراهيمية وتعزيز التعاون الإقليمي، حيث سعت الإدارة الأميركية لترتيب لقاء قمة بين نتنياهو والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لضمان نجاح الصفقة، إلا أن بعض المصادر الصحفية أفادت بأن القاهرة رفضت اللقاء، مشيرة إلى سعي مصر لتأمين الغاز من مصادر بديلة، بما في ذلك قطر، وتطوير اكتشافاتها المحلية لتقليل الاعتماد على إسرائيل، وتحقيق التوازن بين الطلب المحلي المتزايد والإنتاج الداخلي.
ويؤكد الخبراء الاقتصاديون أن الصفقة، رغم ما تحققه من مكاسب مالية واضحة، تحمل في طياتها تحديات استراتيجية وسياسية، خصوصاً فيما يتعلق بسيادة القرار الوطني واستقرار سوق الطاقة المصري.
فالاعتماد على إسرائيل في ملف حساس مثل الغاز الطبيعي يضع القاهرة أمام خيارات محدودة في حال أي توترات سياسية مستقبلية، ويستدعي استراتيجيات شاملة لإدارة الموارد والطاقة على المدى الطويل.
في الخلاصة، تبدو صفقة الغاز الإسرائيلية–المصرية نموذجاً واضحاً لتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية في المنطقة، حيث يبرز المكسب المالي الواضح لإسرائيل ومصر، في حين تظل التحديات الأمنية والسيادية على المدى الطويل محور نقاش وجدل بين المراقبين المحليين والإقليميين، مع تساؤلات حول قدرة القاهرة على حماية استقلال قرارها الوطني في مواجهة أي ضغوط مستقبلية.