الرقة – غادة علي
على الرغم من توقف معظم المعارك العسكرية في سوريا وسقوط النظام في كانون الأول 2024، فإن نهاية الحرب لم تعنِ نهاية المخاطر، ولا سيما بالنسبة للأطفال، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة عدو خفي لا يقل فتكاً عن القصف والاشتباكات، يتمثل في الألغام الأرضية ومخلّفات الحرب غير المنفجرة المنتشرة على مساحات واسعة من البلاد.
وتحولت هذه المخاطر اليوم إلى أحد أبرز التحديات الإنسانية في مرحلة ما بعد الصراع، مع تسجيل أرقام قياسية لضحايا الأطفال خلال السنوات الأخيرة.
وأكد تقرير حديث أصدرته منظمة “أنقذوا الأطفال” أن عدد الأطفال الذين سقطوا ضحايا للمتفجرات ومخلّفات الحرب في سوريا بلغ أعلى مستوى له خلال خمس سنوات، في ظل عودة واسعة للاجئين والنازحين إلى مناطق غير آمنة، تفتقر إلى عمليات مسح وإزالة فعالة للألغام.
وبحسب المنظمة، يشكّل الأطفال 43 في المئة من إجمالي ضحايا المتفجرات في البلاد، وهي نسبة تعكس حجم الخطر الذي يتهدد جيلاً كاملاً.
عودة محفوفة بالموت
قصة ضحايا الألغام من الأطفال تمثل نموذجاً مأساوياً لما يواجهه آلاف الأطفال السوريين، فبعد 14 عاماً لا تزال الألغام ومخلفات الحرب تحصد مزيداً من الأرواح لا سيما من العائدين حديثاً إلى مناطقهم
تشير بيانات مؤسسة “هالو ترست”, إلى أن العام الماضي وحده شهد مقتل 165 طفلاً وإصابة 423 آخرين بسبب الذخائر غير المنفجرة، ليصل إجمالي عدد الضحايا إلى 1592 شخصاً، بينهم 585 قتيلاً، وهو أعلى رقم يتم تسجيله خلال خمس سنوات، وتؤكد أن غياب سجل مركزي للضحايا يعني أن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بكثير.
المرصد السوري لحقوق الإنسان بدوره وثّق منذ سقوط النظام في 8 كانون الأول 2024 وحتى اليوم إصابة 792 شخصاً بجروح نتيجة انفجار مخلفات الحرب، بينهم 357 طفلاً و23 امرأة.
وتوزعت الإصابات على مختلف مناطق السيطرة في البلاد، مع تسجيل النسبة الأكبر في مناطق تسيطر عليها الحكومة السورية الانتقالية، ويُظهر التسلسل الشهري للإصابات خلال العام الجاري أن الأطفال ظلوا الفئة الأكثر تضرراً في كل الأشهر تقريباً، ما يعكس هشاشتهم أمام هذه المخاطر المستمرة.
وتزامن ارتفاع عدد الضحايا مع حركة عودة واسعة للسكان. فبحسب منظمة “أنقذوا الأطفال”، عاد هذا العام نحو 1.2 مليون لاجئ من خارج البلاد، إضافة إلى 1.9 مليون نازح داخلي، إلى مناطقهم الأصلية، إلا أن كثيراً من هذه المناطق ما زال ملوثاً بالألغام والذخائر غير المنفجرة، سواء في الحقول الزراعية أو محيط المنازل أو حتى داخل الأبنية المدمرة.
وتقدّر الأمم المتحدة أن نحو 14 مليون شخص في سوريا يعيشون في مناطق ملوثة بمخلفات الحرب، ما يجعل خطر الإصابة قائماً في الحياة اليومية، سواء أثناء اللعب أو الزراعة أو جمع الخردة أو محاولة إعادة الإعمار.
الأطفال… الضحايا الأضعف
الأطفال هم الأكثر عرضة للإصابة، ليس فقط بسبب فضولهم الطبيعي، بل أيضاً بسبب نقص الوعي وانتشار مفاهيم خاطئة حول طبيعة الألغام. وتشير منظمات إنسانية إلى أن بعض الأطفال يظنون أن الأجسام المعدنية ألعاب، أو أن الألغام لا تنفجر فور لمسها، ما يؤدي إلى حوادث مأساوية.
وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن كثيراً من الإصابات تحدث نتيجة الاستهانة بالمخاطر أو الاعتماد على خبرات عسكرية سابقة غير كافية، وهو ما يزيد من حجم الخسائر البشرية، خاصة بين الذكور من الأطفال والمراهقين.
لا تقتصر تداعيات الألغام على الإصابات الجسدية أو فقدان الأطراف، بل تمتد إلى آثار نفسية واجتماعية عميقة، فالأطفال الذين يتعرضون للبتر أو الإعاقة يفقدون قدرتهم على اللعب والدراسة بشكل طبيعي، ويحتاجون إلى علاج فيزيائي طويل الأمد وأطراف صناعية، في ظل نظام صحي منهك ونقص حاد في الخدمات المتخصصة.
كما تتحمل الأسر أعباء اقتصادية مضاعفة، إذ يفقد المصابون قدرتهم المستقبلية على العمل، بينما تعاني العائلات من صدمات نفسية مستمرة، ما يزيد من معدلات الفقر والضغط الاجتماعي في المجتمعات المتضررة.
تراجع التمويل يفاقم الأزمة
حذرت منظمة “أنقذوا الأطفال” من أن تراجع التمويل الدولي خلال العام الجاري أثر بشكل مباشر على استمرار المدارس في المخيمات، وبرامج التوعية بمخاطر الألغام، ودعم ضحايا المتفجرات، بما في ذلك توفير الأطراف الصناعية والعلاج الفيزيائي.
كما لم يُموَّل نداء إزالة الألغام لعام 2024 سوى بنسبة 13 في المئة من أصل 51 مليون دولار مطلوبة، وهو ما يحد من قدرة المنظمات المحلية والدولية على مواجهة حجم التلوث الهائل.
مديرة منظمة “أنقذوا الأطفال” في سوريا، رشا محرز، أكدت أن توقف الحرب لا يعني نهاية الخطر، مشيرة إلى أن الأطفال الذين نجوا من القتال ما زالوا يواجهون الموت أو الإعاقة في أي لحظة، ودعت إلى توسيع برامج إزالة الألغام، وزيادة التمويل الدولي، وضمان عودة آمنة للعائلات إلى مناطقها.
كما طالبت منظمات إنسانية الحكومة السورية الانتقالية بتسريع جهود تحديد المناطق الملوثة وتنظيفها، وتوفير المعدات اللازمة للخبراء، إضافة إلى إنشاء مركز وطني لتنسيق أعمال مكافحة الألغام، بما يضمن عدم تشتت الجهود وهدر الموارد.
في سوريا ما بعد النزاع، تبدو الألغام ومخلّفات الحرب بمثابة حرب مؤجلة ضد المدنيين، ولا سيما الأطفال، ومع استمرار عودة السكان وغياب الإمكانات الكافية، تتحول هذه المتفجرات الصامتة إلى تهديد مباشر لمستقبل البلاد.
وبينما يحلم السوريون بإعادة الإعمار والاستقرار، تبقى حماية الأطفال من هذا الخطر أولوية إنسانية ملحّة، لا تقل أهمية عن أي مسار سياسي أو أمني، لأن جيلاً كاملاً مهدد بأن يدفع ثمن حرب لم يخترها.