الرقة – غادة علي
لا تنحصر مأساة السوريين منذ ربيع عام 2011 في حدود القصف الجوي والمدفعي والصاروخي الذي نفذته قوات النظام والفصائل الداعمة لها، كما لا تقتصر على الحصار أو الموت تحت التعذيب في معتقلات النظام، بل تجلى أخيراً بعد آخر لهذه المآسي، تمثل في الألغام التي زرعتها أطراف الصراع خلال سنوات عديدة، والتي بدأت تحصد أرواح السوريين من عسكريين ومدنيين على حد سواء.
ويشكل هذا البعد خطراً دائماً وتحدياً كبيراً يواجه الشعب السوري لسنوات مقبلة، فالألغام لم تعد مجرد بقايا حروب سابقة، بل تحولت إلى تهديد دائم يطال كل من يحاول العودة إلى حياته الطبيعية في مناطق النزاع السابقة.
ولعب تغير خارطة السيطرة بين أطراف الصراع في سوريا دوراً كبيراً في صعوبة تحديد الطرق والمناطق التي تم زرع الألغام فيها، كما أن كثافة المناطق الريفية والبادية تعقد عمليات رصدها وإزالتها.
وأكدت مصادر محلية في ريف حماة الشمالي الغربي أن المنطقة تمثل أحد أبرز حقول الألغام في سوريا، إذ مثلت المنطقة لسنوات طويلة خط الفصل بين مناطق سيطرة النظام والمعارضة.
وتشكل مخلفات الحرب، من ألغام وذخائر غير منفجرة، خطراً حقيقياً على حياة المدنيين، كما تعيق هذه المخلفات الأنشطة اليومية للسكان، من الزراعة والرعي إلى التنقل بين القرى، وتعرقل عودتهم إلى منازلهم ومزارعهم في مساحات واسعة من سوريا، مما يزيد من معاناة السكان ويبطئ عملية إعادة الإعمار واستقرار الحياة المدنية.
ويتعرض أكثر من 65٪ من السوريين، أي نحو 15.4 مليون نسمة، لخطر الألغام والذخائر غير المنفجرة، ما يسفر عن مقتل أو إصابة نحو 150 مدنياً شهرياً، بما في ذلك عدد كبير من الأطفال، وفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة.
وتشير الإحصائيات إلى أن الأطفال يشكلون الضحايا الأكبر لهذه المخلفات، إذ يتحول لحظات فرحهم إلى مأساة نتيجة انفجار الألغام، وقد يؤدي العبث بها دون معرفة طبيعتها إلى موتهم أو إصابتهم بأذى بالغ.
ويبرز تأثير هذه المخلفات أنه سيمتد لسنوات طويلة بعد انتهاء الحرب، ما يجعل إعادة تأهيل المناطق وتأمينها تحدياً مستمراً للسلطات والمنظمات الإنسانية.
وتحض الأمم المتحدة على ضرورة توحيد جهود المنظمات الدولية، بالتنسيق مع البرنامج الأممي لنزع الألغام، والتي تضم 252 موظفاً أغلبهم من السوريين، موزعين على عدة مناطق حيوية لتنفيذ عمليات تطهير مستمرة.
ورغم هذه الجهود، فإن المصادر المحلية تؤكد أن مجرد التحرك اليومي في مناطق تنتشر فيها مخلفات الحرب يشكل مخاطرة مستمرة، فالذهاب إلى المدرسة أو الذهاب لمزارع صغيرة يشكل تحدياً كبيراً يهدد حياة الأطفال والمدنيين بشكل يومي، وهو ما يزيد من القيود المفروضة على حرية التنقل والنشاط الاقتصادي.
ويصيب الخطر الأكبر من المخلفات الأطفال الذين يعبثون بها دون إدراك لطبيعتها، ما يؤدي إلى انفجارها، وبالتالي مقتلهم أو إصابتهم بأذى بالغ.
وعليه فإن مشكلة الألغام والذخائر غير المنفجرة ليست مجرد تهديد لحياة السوريين في الوقت الراهن، بل تشكل إرثاً طويل الأمد من الحرب سيستمر في التأثير على حياتهم اليومية، التعليم، النشاط الاقتصادي، والتنقل، لسنوات مقبلة، ما يجعل جهود نزع الألغام وإعادة تأهيل المناطق أموراً عاجلة وضرورية لحماية المدنيين وإعادة الأمل للمجتمع السوري.