لكل السوريين

متقاعدو دمشق… رحلة شاقة خلف الراتب بين الروتين والانتظار

دمشق/ مرجانة إسماعيل

يتوافد المتقاعدون في مدينة دمشق مع بداية كل شهر إلى المصارف والدوائر الحكومية، في مشهد أصبح مألوفًا ومؤلمًا في آن واحد. فالحصول على الراتب التقاعدي، رغم تواضعه الشديد، يتحوّل إلى رحلة شاقة تمتد لساعات طويلة، تعرقلها الإجراءات الروتينية والازدحام ونقص التنظيم، مما يجعل كبار السن يقفون في طوابير لا تنتهي، وكأنهم يركضون خلف حقّهم بدلًا من أن يصلهم بسهولة بعد عقود من الخدمة.

في ساحة المحافظة، يقف أبو نبيل، وهو موظف متقاعد من قطاع النقل، منذ السادسة صباحًا أمام أحد المصارف. يتكئ على عصاه ويلفّ معطفه حول كتفيه اتقاءً لبرودة الصباح الدمشقي. ينظر إلى الطابور الطويل ويقول بنبرة تجمع بين التعب والسخرية: “تقاعدنا مشان نرتاح… بس طلعنا عم نتعب أكتر من أيام الدوام. كل شهر لازم نعيد نفس المشوار ونفس الانتظار.”

يحكي أبو نبيل أن راتبه التقاعدي هو مصدر دخله الوحيد، لكنه يواجه كل شهر سلسلة من الإجراءات تبدأ بطلب تحديث بياناته وتنتهي بانتظار طويل داخل المصرف بسب نقص الموظفين وتعطل الأجهزة.

وفي مبنى التأمينات في منطقة البرامكة، يتكدّس المتقاعدون في الممرات وعلى الأدراج. بعضهم ينتظر استلام ورقة، وآخرون يُعادون بسبب نقص توقيع أو خطأ بسيط في معاملة طُلبت منهم مسبقًا. من بينهم أم سامي، أرملة موظف حكومي، تحمل ملفًا كبيرًا يضم عشرات النسخ من الأوراق المطلوبة. تقول وهي تجلس على كرسي بلاستيكي قديم بانتظار دورها: “كل شهر بدي أرجع جيب نفس الأوراق… بيان عائلي، وصورة هوية، وإثبات عدم زواج… وكأنو لازم كل فترة أثبت لهن مين أنا!” وتتابع بحسرة: “لو ما في جارة تساعدني بقراءة الأوراق، ما كنت عرفت شو لازم ساوي. البيروقراطية هون أكبر من حدا بعمري.”

أما أبو محمود، وهو معلم متقاعد من حي الميدان، فيعاني من ضعف في البصر والسكري، ما يجعله غير قادر على قراءة النماذج أو الإرشادات المعلقة على الجدران. يقول بينما يسلمه أحد الموظفين ورقة جديدة عليه أن يوقّعها: “خدمت 35 سنة… بس كل شهر لازم أراجع ثلاث مكاتب مشان توقيع واحد. ما عاد أعرف وين البداية من النهاية.” ويشير إلى أنه مهما حضر باكرًا، فإنه يعود إلى منزله في المساء وقد تدمرت صحته من كثرة الوقوف والتنقل بين الطوابق.

المشكلة ليست فقط في الروتين الورقي، بل في الازدحام الشديد الذي تشهده المصارف، وخصوصًا في مناطق مثل الحريقة والروضة والبرامكة. العديد من الفروع لا توفر أماكن مخصصة لكبار السن، فيضطر المتقاعدون للوقوف بالساعات، بينما يجلس البعض منهم على الأرض لعدم توفر مقاعد. وتتكرر شكاوى الناس من الأعطال التقنية في أنظمة الصرف الإلكتروني، ما يؤدي إلى توقف صرف الرواتب ساعات وربما أيام. وأحيانًا قد يضطر المتقاعد للعودة في اليوم التالي بعد أن يكون قد دفع أجرة مواصلات تساوي جزءًا كبيرًا من راتبه.

ومن القصص التي تعكس حجم المعاناة قصة أبو فارس، وهو عسكري متقاعد من ركن الدين. توجه إلى المصرف لصرف راتبه، لكنه فوجئ بأن التحويل لم يصل بعد بسبب “خلل فني”. جلس على الرصيف ينتظر لساعتين قبل أن يخبره أحد الموظفين بأن عليه العودة لاحقًا. يقول بأسى: “المشكلة مو بس الراتب… المشكلة الطريق. المواصلات صارت بتكلّفني قد نص المعاش، وإذا رجعت بكرا يعني لازم أدفع مرتين.”

وبالرغم من أن بعض الموظفين يؤكدون أن هذه الإجراءات ضرورية لتجنب الأخطاء والتلاعب، فإن كثيرًا من المتقاعدين يرون أن البيروقراطية قديمة ومُنهِكة. فمن غير المعقول، على حد تعبيرهم، أن يحتاج رجل يبلغ من العمر سبعين عامًا إلى مراجعة ثلاثة مكاتب للحصول على توقيع يمكن إنجازه إلكترونيًا، أو أن يُطلب من أرملة تكرار نفس المستندات بشكل شبه شهري.

يطالب المتقاعدون بتحسين الخدمات وتحديث النظام الإداري، وإتاحة المزيد من الخدمات الإلكترونية، وتخصيص نوافذ سريعة لكبار السن، بالإضافة إلى تنظيم الطوابير وتوفير مقاعد داخل المصارف. كما يأملون بإلغاء الكثير من الإجراءات الروتينية التي تعيقهم دون سبب حقيقي، وبأن تصبح عملية صرف الراتب مسألة بسيطة تُنجَز في دقائق لا ساعات.

ومع استمرار هذه المعاناة، يبقى الشهر بالنسبة لمتقاعدي دمشق رحلة متعبة تبدأ قبل استلام الراتب وتنتهي بعد أيام من المراجعات. وبين الروتين والتعب والازدحام، يشعر الكثير منهم بأن الحصول على معاشهم ليس حقًا مستحقًا، بل معركة شهرية تستنزف صحتهم وكرامتهم. قصص أبو نبيل وأم سامي وأبو محمود ليست سوى نماذج من معاناة تمتد عبر العاصمة، وتنتظر إصلاحات جدية توازن بين حماية الحقوق واحترام أعمار من أفنوا حياتهم في خدمة الدولة.

- Advertisement -

- Advertisement -