حلب
تعيش منطقة عفرين شمالي سوريا عامها السابع تحت وطأة الاحتلال التركي والفصائل السورية الموالية لها، في ظل استمرار موجة النزوح القسري التي طالت السكان الأصليين من المكون الكردي.
منذ عام 2018، تحولت عفرين، التي كانت تُعرف بغناها الزراعي وثقافتها الكردية العريقة، إلى منطقة يشوبها الانفلات الأمني والفوضى الاقتصادية والاجتماعية، النزوح الجماعي الذي شمل أكثر من 300 ألف شخص، وغياب أي مؤسسات فعّالة لحماية المدنيين، أسفر عن تغييرات ديمغرافية واجتماعية عميقة جعلت المدينة محوراً للنزاع والاحتلال.
ومع مرور سبع سنوات، لا تزال المدينة تشهد يوميات مأساوية، فيما يعيش المهجرون في مناطق الشهباء وشمال وشرق سوريا بانتظار العودة، التي تبدو شبه مستحيلة في ظل استمرار الانتهاكات.
تعيش عفرين اليوم واقعاً مزدوجاً؛ فالأحياء المتبقية تحت سيطرة الفصائل المسلحة تشهد اضطراباً أمنياً متواصلاً، فيما يواجه المهجرون في المخيمات ونقاط التجمع ظروفاً حياتية صعبة، حيث تفتقر المخيمات للحد الأدنى من الخدمات الأساسية مثل المياه النظيفة والكهرباء والصرف الصحي. يعاني الأطفال من حرمان تعليمي ونفسي، فيما تضاعف معاناة النساء نتيجة الفقر والبطالة، وضعف الرعاية الصحية، وغياب الأمن.
النزوح القسري
بدأت الكارثة في عفرين خلال شهر شباط 2018، عندما شنت القوات التركية والفصائل الموالية لها هجمات واسعة على المدينة والريف المحيط بها، ما أجبر آلاف العائلات على مغادرة منازلها بسرعة تحت وقع العمليات العسكرية.
كان النازحون يحملون ما استطاعوا حمله من ممتلكاتهم، تاركين خلفهم مزارع الزيتون والحقول الممتدة منذ أجيال، توجه معظمهم نحو مناطق الشهباء وريف حلب الشمالي، حيث أقاموا في مخيمات ومساكن مؤقتة، غالباً في ظروف صعبة تفتقر للحد الأدنى من الخدمات الأساسية.
أصبح الأطفال الأكثر عرضة لتداعيات النزوح، فقد توقفوا عن الدراسة في المدارس المحلية، واضطروا إلى الاعتماد على تعليم محدود في المخيمات، في حين يواجه المراهقون صعوبات في الاندماج الاجتماعي والنفسي.
أما النساء، فتعاني كثيرات منهن من ضغوط مضاعفة، تشمل البطالة، ونقص الرعاية الصحية، وخطر التعرض للعنف أو الابتزاز، وحتى البالغون من الرجال، الذين كانوا يعتمدون على الزراعة كمصدر رزق أساسي، وجدوا أنفسهم بلا مورد رزق، إذ صودرت أراضيهم الزراعية أو أصبحت تحت سيطرة فصائل مسلحة تفرض رسوماً وإتاوات على محاولة استرجاع الأرض.
ورغم مرور سبع سنوات، لم تتحسن الظروف المعيشية للمهجرين، بل ازدادت الصعوبات مع توسع المستوطنات الجديدة ووجود فصائل مسلحة تفرض نفوذها على الأراضي والممتلكات.
ويشير المهجرون إلى أن معظم المنازل صودرت، وأسكنت فيها عائلات قادمة من مناطق أخرى، كما صودرت المزارع والأراضي الزراعية أو حُوّلت إلى أملاك خاصة لفصائل مسلحة أو أفراد نافذين، ما يعكس سياسة ممنهجة لتغيير الطابع السكاني والاجتماعي للمدينة.
احتلال عفرين لم يكن مجرد خروج مؤقت، بل كان جزءاً من خطة متكاملة لإضعاف المجتمع المحلي وإلغاء عناصر الحياة اليومية المرتبطة بالهوية الثقافية للمدينة، بما في ذلك السيطرة على موارد العيش الأساسية مثل الزيتون والزراعة.
وأدى استمرار النزوح إلى تشرذم الأسر وفقدان الروابط الاجتماعية التقليدية، ما ترك أثراً نفسياً عميقاً على السكان، الذين يشعرون بالعزلة والغربة عن وطنهم.
تستمر الروايات اليومية للمهجرين في سرد معاناتهم، إذ يصف أحدهم يومياته في الرقة قائلاً: “نحن نعيش على هامش الحياة، في مراكز الايواء، والأرض التي تركناها منذ سبع سنوات أصبحت ملكاً للآخرين”.
هذه الشهادات تعكس حجم الخسارة المادية والمعنوية التي لحقت بالسكان الأصليين، وتسلط الضوء على تدهور الحياة اليومية نتيجة الاحتلال المستمر.
انفلات أمني واعتداءات يومية
تشهد عفرين انفلاتاً أمنياً متواصلاً، مع تعدد القوى المسيطرة وانتشار السلاح في شوارع المدينة والريف، ما جعل المدنيين عرضة للعنف شبه اليومي.
وثقت مصادر محلية ومنظمات حقوقية خلال السنوات الماضية مئات الحوادث التي شملت القتل العلني، وإطلاق النار، والاعتداءات أثناء التنقل أو أثناء جني محاصيل الزيتون، وعمليات السطو المسلح والابتزاز المالي.
ويشير الأهالي إلى أن هذه الجرائم تنفذ بحرية شبه مطلقة، في ظل غياب أي محاسبة، وأن بعض الفصائل المسلحة، خصوصاً التابعة لما يسمى “الجيش الوطني”، تلعب دوراً محورياً في تأجيج الفوضى، سواء عبر المشاركة المباشرة في الجرائم أو توفير الحماية للعناصر المنفذة.
ويؤكد سكان محليون أن الفوضى المسلحة لم تقتصر على النزاع على الممتلكات، بل شملت حياة المدنيين اليومية، بما في ذلك السيطرة على الأسواق، فرض رسوم على الحركة والتنقل، وابتزاز التجار والمزارعين.
كما يعاني المجتمع المحلي من حالات اقتتال بين الفصائل المختلفة، وهو ما يزيد من الشعور بعدم الأمان، ويجعل سكان عفرين يعيشون تحت تهديد دائم، حتى أن الأطفال والنساء أصبحوا أهدافاً سهلة في ظل انتشار السلاح والفوضى المستمرة.
استهداف الهوية والممتلكات
إلى جانب الانفلات الأمني، تعاني عفرين من انتهاكات اقتصادية واجتماعية ممنهجة تهدف إلى تغيير هويتها الثقافية، فموسم الزيتون، الذي كان يشكل المصدر الأساسي للرزق لمعظم السكان، أصبح اليوم تحت إدارة الفصائل المسلحة، التي تفرض إتاوات كبيرة أو تستولي على المحصول بالكامل، مما أثر على قدرة العائلات على العيش وأدى إلى تراجع الإنتاج بشكل ملحوظ.
كما تشمل الانتهاكات استيلاء الفصائل على المنازل وبيعها أو تأجيرها دون أي حق قانوني، وإعادة تسمية الشوارع والأحياء في محاولة لطمس الطابع الكردي للمدينة.
وزاد قطع الغابات وتحويلها إلى أراضٍ استثمارية من تفاقم الأزمات البيئية والاجتماعية، بينما توسعت عمليات الخطف بهدف طلب الفدية، مع فرض قيود على النساء وفرض أنماط اجتماعية غريبة عن المجتمع المحلي.
ويشير حقوقيون إلى أن هذه الانتهاكات ليست مجرد تجاوزات فردية، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى تفكيك البنية الاجتماعية والثقافية لعفرين.
ويضيف الأهالي أن استمرار هذه الممارسات يزيد من شعورهم بالعزلة والتهديد، ويجعل مستقبل المدينة مهدداً بواقع ديمغرافي جديد قد يصبح مستداماً إذا لم يتم التدخل بشكل عاجل.
وفي هذا السياق، تشير شهادات مهجرين إلى أن فقدان الممتلكات لم يكن مجرد أثر جانبي للعمليات العسكرية، بل كان نتيجة سلسلة من الإجراءات العسكرية والأمنية والاقتصادية المصممة لتغيير وجه المدينة بالكامل، ما أدى إلى استنزاف السكان الأصليين وتشريدهم، وإدخالهم في حالة من التشرذم الاجتماعي والنفسي.
كما يؤكد الأهالي أن عملية تغيير الهوية لم تقتصر على الممتلكات المادية فقط، بل شملت محاولات لطمس اللغة والثقافة والموروثات التقليدية، بما في ذلك تحويل المدارس والمراكز الثقافية القديمة إلى مرافق جديدة لا تتوافق مع خصوصية السكان الأصليين.
صراع البقاء على الأرض والكرامة
تعيش الأسر المهجرة في مراكز الايواء حالة من الفقر المدقع والاعتماد على مساعدات مؤقتة، فيما يعاني المتبقون في المدينة من ضغوط مستمرة تتعلق بالسكن والعمل والحركة.
وجعل انتشار الحواجز العسكرية وحواجز الفصائل المسلحة في الطرقات الداخلية والخارجية للمدينة الحركة شبه مستحيلة، ما أثر بشكل كبير على الأسواق المحلية، ووضع قيوداً على التنقل إلى المدن المجاورة للعمل أو التجارة.
في المقابل، يجد الأطفال والنساء أنفسهم عالقين بين الخطر اليومي ونقص الخدمات، ما يزيد من حالة التوتر النفسي داخل الأسرة والمجتمع.
الزراعة، التي كانت عمود الاقتصاد في عفرين، فقدت جزءاً كبيراً من إنتاجها بسبب مصادرة الأراضي والسيطرة على المحاصيل، وأصبح معظم المزارعين يعيشون تحت ضغوط اقتصادية هائلة، حيث يفرض عليهم دفع إتاوات كبيرة مقابل السماح لهم بالعمل في أراضيهم الخاصة، وهو ما انعكس على مستوى المعيشة وخفض القدرة الشرائية للسكان الأصليين.
يؤكد مختصون أن استمرار هذه الظروف، مع غياب أي تدخل سياسي أو قانوني جاد، سيؤدي إلى ترسيخ واقع جديد، يضع المدينة أمام تهديد ديمغرافي وثقافي طويل المدى، ويجعل من الصعب استعادة الهوية الأصلية للمنطقة.
عفرين ذاكرة الرحيل وغياب العودة
مع مرور سبع سنوات على الاحتلال، يظل حلم العودة إلى منازلهم ومزارعهم بعيد المنال بالنسبة للمهجرين، فالمدينة تغيّرت، الوجوه تغيّرت، والأرض تغيّرت، بينما الذاكرة الثقافية والسردية تبقى حية في قلوب السكان، الذين يطالبون بحق العودة الآمنة والمحاسبة الفعلية للمتورطين في الانتهاكات.
يشدد ناشطون على أن أي حديث عن مستقبل مستقر لعفرين يتطلب أولاً وضع حد للانتهاكات المتواصلة، واستعادة ممتلكات السكان الأصليين، وحماية الهوية الثقافية والاجتماعية للمدينة.
كما يدعوا الأهالي إلى ضرورة تدخل المجتمع الدولي والمحلي لضمان عودة السكان ووقف أي تغييرات ديمغرافية مستمرة، بما يضمن عدم تثبيت واقع جديد قد يحرمهم من حقهم في العيش على أرضهم بكرامة.
وتبقى عفرين شاهدة على فصل مظلم من تاريخ الحرب في سوريا، حيث اختلط النزوح القسري بالانتهاكات اليومية، وحُرمت المدينة من كثير من حقوق سكانها الأصليين، بينما يظل حلم العودة حياً في قلوب المهجرين الذين يطالبون بإنصافهم واستعادة حقهم في العيش بسلام وكرامة.