لكل السوريين

أصوات الباعة الجوالين في حماة.. بين الحاجة والضجيج

حماة/ جمانة الخالد

في شوارع حي كرم الزيتون بمدينة حماة، يعلو صوت جديد أصبح جزءاً من المشهد اليومي، لكنه يشكل مصدر توتر لأهالي المنطقة. مكبرات الصوت المحمولة على عربات الباعة الجوالين لا تكاد تهدأ نهاراً، وغالباً تمتد إلى ساعات الليل، لتثير شكاوى متكررة من السكان الذين يشعرون بأن حقهم في الهدوء والراحة يُهدر. “لا أستطيع النوم بهدوء، وحتى عندما يغلق ابني عينيه يستيقظ على صراخ البائع القادم بالعربة”، تقول فاطمة الملاح، ربة منزل من حي كرم الزيتون، وهي تحاول أن تشرح حجم المعاناة اليومية.

ليس السكون وحده ما يفتقده السكان، بل الخصوصية أيضاً. “أشعر وكأن جدران بيتي لم تعد تحميني من ضجيج الشارع”، يقول نادر الشامي، من سكان حي الأشرفية، مضيفاً: “كل يوم أمر بائع بالخضار، ثم بائع الغاز، ثم منادٍ على المنظفات، وكل واحد منهم يصرخ من مكبر الصوت ليعلن عن منتجاته. الحياة تحولت إلى جلبة مستمرة”.

الطالبة الجامعية ليان عفيفي تروي تجربتها مع الامتحانات: “أحتاج تركيزاً طويلاً، لكن أصوات الباعة تمر من نافذتي باستمرار، أشعر أنني أدرس وسط سوق مكتظ”.

مع ذلك، لا ينظر جميع السكان إلى الباعة بنظرة سلبية بالكامل. “نحن نتضايق من الصوت، لكن هؤلاء الشباب يحاولون كسب رزقهم بكرامة”، تقول رنا حيدر، وهي موظفة في إحدى الدوائر الحكومية. وتضيف: “ربما الحل هو تنظيم عملهم بدل محاولة منعهم تماماً”. هذا التعاطف يعكس وعياً اجتماعياً يسعى لإيجاد توازن بين حق السكان في الراحة وحق البائع في الكسب.

من جانبهم، يبرر الباعة الجوالون استخدام مكبرات الصوت باعتبارات اقتصادية واضحة. “ليس لدينا محلات ثابتة، وهذه العربات هي مصدر رزقنا الوحيد”، يقول مروان أبو صالح، بائع خضار متنقل. ويضيف: “المكبرة ضرورية حتى يعرف الناس أننا موجودون، وإلا لن يشتري أحد منا شيئاً”. بينما يوضح سامر دحدل، بائع آخر، أن الظروف الاقتصادية الصعبة هي السبب في اضطرارهم للاعتماد على البيع الجوال: “الحرب وتراجع النشاط التجاري حرمنا من مصادر رزقنا السابقة، وعلينا أن نصنع فرصة من لا شيء لإطعام أولادنا”.

الواقع يؤكد أن هناك فجوة تنظيمية واضحة. المكتب الإعلامي لمجلس مدينة حماة أشار إلى أن استخدام مكبرات الصوت في الأحياء السكنية ممنوع قانونياً لكن تطبيق القانون جزئي ومتفاوت. الحوادث اليومية تثبت أن هناك نصوصاً موجودة، لكنها تبقى حبراً على ورق ما لم يكن هناك متابعة فعالة. يقول الخبير الاجتماعي حيدر سلامة: “القضية ليست مشكلة البائع أو المواطن فحسب، بل غياب تنظيم يضمن حقوق الطرفين. المواطن يريد الهدوء، والبائع يريد الرزق، لكن لا يوجد حل مؤطر يوازن بينهما”.

في الأحياء الشعبية بحماة، تظهر محاولات مختلفة لإيجاد توازن. بعض الأهالي يقترح تخصيص أماكن محددة للبائعين، كساحات عامة أو أسواق صغيرة، بحيث يتوجه الزبائن إليها طوعاً، دون الحاجة لإزعاج السكان. ويقترح آخرون تحديد ساعات عمل للبائعين الجوالين، بحيث لا تمتد إلى أوقات الليل. وهناك أيضاً من يقترح استخدام منصات رقمية محلية، تمكن الباعة من الإعلان عن منتجاتهم دون الحاجة لمكبرات الصوت. لكن جميع هذه الحلول تظل نظرية ما لم تتبنها جهة رسمية قادرة على التنظيم والمتابعة.

يبقى واقع الباعة الجوالين في حماة انعكاساً لمأزق اجتماعي واقتصادي. أصواتهم العالية ليست مجرد ضجيج، بل صرخة حياة، في حين أن أصوات السكان تطالب بالراحة والهدوء. القصص اليومية في حي كرم الزيتون وحي الأشرفية تكشف تبايناً واضحاً في الأولويات: بائع يسعى لكسب رزقه، وسكان يبحثون عن لحظات هدوء في منازلهم. هذا التناقض يكشف هشاشة القوانين وضعف تطبيقها، ويطرح تساؤلات حول قدرة المدينة على إيجاد حلول وسط تحفظ حق الطرفين.

وظاهرة الباعة الجوالين في حماة ليست مجرد إزعاج سمعي، بل مرآة لواقع اقتصادي واجتماعي معقد. من مروان وأصدقائه الذين يحاولون كسب قوت يومهم، إلى السكان الذين يبحثون عن هدوء منقطع النظير، يتضح أن الحل الحقيقي يكمن في تنظيم العمل وتهيئة بيئة تسمح بالتوازن بين حق الكسب وحق الراحة. وبين صرختين مختلفتين، يبقى القانون ضعيف التطبيق، والواقع يحكم بواقعه الخاص، حتى تتحول الشكاوى المتكررة إلى خطوات عملية تعيد التوازن لحياة المدينة.

- Advertisement -

- Advertisement -