رجاء مختار/درعا
يُعدّ تدخين النساء في مدينة درعا جنوب سوريا واحدة من الظواهر الاجتماعية التي بقيت لعقود طويلة حبيسة الهمس والتكتم، قبل أن تبدأ بالظهور الخجول في السنوات الأخيرة ضمن سياقات اجتماعية معقدة فرضتها الحرب والتحولات الاقتصادية وتغيّر أنماط الحياة.
ورغم أن الظاهرة تبقى أقل حضوراً مقارنة بالمدن الكبرى، إلا أن أي امرأة تشعل سيجارة في مكان عام في درعا ما تزال تواجه نظرات مستغربة، وأحكاماً جاهزة تربط سلوكها بالقيم والأعراف التقليدية الراسخة في المجتمع الحوراني، الذي عرف دائماً بحفاظه على صورة المرأة كرمز للالتزام والانضباط.
ورغم أن تدخين الرجال في درعا يُنظر إليه على أنه عادة سيئة ولكن “طبيعية”، فإن تدخين النساء يأخذ معنى مضاعفاً، حيث لا يُقيّم الفعل بحد ذاته بقدر ما يُنظر إليه كاختبار لصورة المرأة وسمعة عائلتها.
هذا الموقف الاجتماعي يتبدى بوضوح في الأسواق الشعبية والحدائق العامة وعلى الأرصفة القريبة من المقاهي القديمة في مركز المدينة، حيث قد يمر الرجل المدخن دون تعليقات، فيما تُلاحَق المرأة المدخنة بنظرات طويلة، وكلمات تُقال همساً أحياناً وعلانية أحياناً أخرى، وكأنها ارتكبت فعلاً يتجاوز حدود السلوك الشخصي.
في قصة نموذجية من واقع المدينة، تحكي مها، وهي امرأة في أواخر الثلاثينيات من حي الكاشف: “أدخن منذ سنوات، لكني لا أستطيع أن أفعل ذلك خارج المنزل إطلاقاً. حتى في منزلي، أحاول ألا يراني أحد من الجيران. أخشى أن تُنسَب العادة إلى أخلاق سيئة، أو يُنظر إلي كإمرأة فقدت التزامها.” تضيف مها أن الحرب زادت عليها الضغوط النفسية، وأن السجائر كانت مهرباً مؤقتاً، لكنها اكتشفت لاحقاً أن العبء الاجتماعي لا يقل ثقلاً عن الإدمان نفسه. وتقول: “أحياناً أشعر أن المجتمع يحاسب المرأة على كل ما هو مسموح للرجل.”
وفي الريف المحيط بدرعا، حيث العادات العشائرية أكثر صرامة، يتضاعف الحكم الاجتماعي. في قصة أخرى، تخفي هبة، وهي فتاة من بلدة صيدا، عادة التدخين عن أهلها منذ أربع سنوات. تحتفظ بالسجائر في علبة معدنية صغيرة داخل خزانة ملابسها، وتخرج إلى أطراف البلدة في طريق زراعي مهجور لتدخن بعيداً عن الأنظار.
تقول هبة: “أحياناً أسأل نفسي لماذا أفعل ذلك. ليس لأنني أحب التدخين، بل لأن الفكرة نفسها أصبحت مرتبطة عندي بالمساحة الشخصية التي لا أملكها. أعرف أن العادة مضرة، وأحاول الإقلاع، لكن فكرة أنني مجبرة على الاختباء هي ما يزيد التوتر.” تُظهر قصة هبة أن التدخين السري بين النساء في درعا ليس دائماً نابعاً من رغبة في كسر التقاليد، بل من حاجة نفسية للهروب من الضغط أو الشعور بالاستقلال—حتى لو كان ذلك مجرد لحظات قصيرة مع سيجارة مخبأة.
وفي المقابل، تظهر قصص من الجيل الأصغر تعكس تغيّراً في النظرة، وإن كان محدوداً وبطيئاً. لين، طالبة جامعية من درعا المحطة، بدأت التدخين خلال سنوات دراستها في جامعة دمشق. تقول إنها لم تشعر بضغط كبير في العاصمة، لكنها واجهت صدمة عندما عادت لقضاء العطل في درعا. “كنت أخرج مع صديقاتي، فإذا أشعلت سيجارة، يبدأ الناس بالتحديق، وكأنني أخالف قانوناً عاماً.”
وتضيف أنها لم تعد تدخن في الأماكن العامة داخل المدينة احتراماً لعاداتها، لكنها ترفض “الوصاية الاجتماعية” التي تجعل التدخين معياراً للحكم على شخصية المرأة. وتقول: “إذا كان التدخين ضاراً، فهو ضار للجميع، رجالاً ونساء. لماذا تصبح المرأة وحدها تحت المجهر؟”
ولم تغيّر السجائر الإلكترونية الكثير في المشهد رغم انتشارها المحدود بين الفتيات في السنوات الأخيرة. في درعا، لا يزال “الدخان” بحد ذاته رمزاً لرفض المجتمع، سواء جاء من سيجارة عادية أو جهاز Vape صغير. فالمسألة ليست صحية أو تقنية بقدر ما ترتبط بما يراه المجتمع “وقار المرأة” وحضورها العام. هذا ما تؤكده قصص عدة لشابات يخشين من أن يُرى الجهاز في حقائبهن أكثر مما يخشين من ضرره الصحي.
وتتعقّد الظاهرة داخل المنازل أيضاً، حيث تبقى الفوارق الجندرية أكثر وضوحاً. ففي كثير من البيوت الحورانية، قد يُسمح للذكور بالتدخين في غرفة الجلوس أو على الشرفة بلا حرج، بينما تُعاقَب الفتاة إن اكتشف الأهل أنها تدخن—حتى إن كانت في سن متقدمة. هذه الازدواجية تدفع بعض النساء للجوء إلى التدخين السري، وهو ما يرتبط غالباً بزيادة مستويات القلق والتوتر والشعور بالذنب، ما يجعل الإقلاع أصعب.
ورغم هذه القيود، بدأت بعض الأصوات في درعا—خصوصاً من الأطباء والمعلمين والناشطين—تنادي بالفصل بين الجانب الصحي والجانب الأخلاقي من الظاهرة. يقول أحد الأطباء في قصة موازية: “المشكلة في الإدمان، لا في جنس المدخّن. حين نخجل النساء ونهاجمهن اجتماعياً، فإننا ندفعهن إلى التدخين في الخفاء، وهذا أسوأ صحياً ونفسياً.” هذه المقاربة الجديدة، وإن كانت ما تزال محدودة، تفتح باباً لنقاش مختلف، يعتمد على التوعية لا الوصم، وعلى الصحة العامة لا الأخلاق المجتمعية.
ومع كل ذلك، يبقى تدخين النساء في درعا قضية تتداخل فيها العادات المحافظة مع الضغوط الاقتصادية والنفسية والتغيرات التي فرضتها سنوات الحرب. فصورة المرأة هنا ليست مجرد صورة فرد، بل صورة عائلة وعشيرة ومنطقة بأكملها، ما يجعل أي تصرف بسيط—مثل حمل سيجارة—محاطاً بمعانٍ أكبر بكثير مما يحتمله فعله. وبين نساء يدخن سراً خوفاً من المجتمع، وأخريات يواجهن النظرات بجرأة، ونساء يحاولن الإقلاع وسط ضغوط مزدوجة، تظلّ القصة الأكبر أن حرية المرأة في درعا، كما في كثير من الأماكن، تمرّ عبر بوابة التوقعات الاجتماعية.
وفي نهاية المطاف، ورغم أن التدخين عادة ضارة لا يجادل أحد في خطورتها، إلا أن النقاش في درعا يحتاج إلى الانتقال من ساحة الحكم الأخلاقي إلى ساحة التوعية الصحية، ومن دائرة الوصم إلى دائرة الفهم. فالمرأة المدخنة ليست حالة أخلاقية، بل إنسانة تعيش ضغوطاً ومشاعر وتجارب، وربما تحتاج إلى مساعدة أكثر مما تحتاج إلى نظرة إدانة.
وبين علبة سجائر مخبأة في حقيبة، وسيجارة تُشعل على زاوية شارع وسط نظرات المارة، تبقى الحقيقة أن المجتمع يتغير ببطء، وأن المرأة في درعا ما تزال تسعى للعيش بين حاجتها إلى مساحة شخصية واحترامها لتقاليد مدينة عرفت دائماً بعمقها الاجتماعي وثقل أعرافها.