حمص/ بسام الحمد
تنتشر عربات الطعام المتنقلة في أزقة حمص القديمة وأسواقها الشعبية، منذ ساعات الصباح الأولى، محملة بأنواع من الوجبات السريعة والحلويات، من الفلافل والسندويشات إلى البطاطا المقلية والعصائر الطبيعية، فيما يتجمع حولها المواطنون باحثين عن وجبة سريعة ورخيصة، غير مدركين حجم المخاطر الصحية التي تحيط بهم. رائحة الزيت المقلية تمتزج بدخان السيارات والغبار، ليشكل هذا المشهد يومياً لوحة تعكس هشاشة الرقابة والوعي الصحي في المدينة.
في حي باب الهوا، يقول سامي، تاجر في مطعم صغير، إن الظاهرة ازدادت في الآونة الأخيرة، مضيفاً: “الناس تفضل شراء الطعام من الشارع لأنه أرخص وأسرع، ونحن مضطرون للعمل بهذه الطريقة لأن الإيجارات مرتفعة جداً، ولا توجد بدائل حقيقية”. سامي، الذي يعمل منذ أكثر من عشر سنوات في بيع المأكولات، يعترف بخطورة الوضع، لكنه يرى أن ظروف الفقر والبطالة تجعل هذه الممارسة شبه ضرورية للكثيرين من الباعة والعمال الصغار.
وفي حي الزهراء، تروي ليلى، وهي أم لطفلين، تجربة ابنها الصغير عندما أصيب بالتسمم بعد تناول عصير مجهول المصدر من إحدى عربات البيع المكشوفة: “لم أكن أتخيل أن مجرد عصير يمكن أن يسبب مرضاً خطيراً، لم يعد الأمان الغذائي موجوداً، وكل شيء معروض على الأرصفة تحت أشعة الشمس والغبار”.
حوادث مشابهة تتكرر يومياً، حيث تتواجد العربات قرب أكوام القمامة ومخارج الأسواق، والأطعمة مكشوفة للحشرات والغبار، بينما يقوم الباعة بإعدادها دون أي معدات حماية، ويأكل الأطفال منها بلامبالاة. في السوق المركزي بحمص، لاحظنا عربات تبيع السندويشات والمشروبات على بعد أمتار قليلة من نفايات متراكمة، فيما يتجمع حولها الشباب والعمال الباحثون عن وجبة سريعة، غير مدركين حجم الجراثيم والبكتيريا التي قد تنتقل إليهم.
الدكتور محمد شحادة، أخصائي أمراض داخلية، يحذر من خطورة الوضع ويقول: “الأطعمة المكشوفة تسمح بانتقال الجراثيم والبكتيريا بسهولة، كما أن إعادة استخدام الزيوت المكررة في القلي يزيد من خطر الإصابة بأمراض الكبد والسرطان، والأمراض المعوية تنتشر بسرعة بين الأطفال وكبار السن نتيجة هذه الممارسات”. ويضيف: “نصف صحة المجتمع مرتبطة بالوعي الغذائي، ومن يختار الطعام الرخيص من الشارع قد يدفع الثمن غالياً لاحقاً”.
من جانبهم، الباعة يعترفون بصعوبة الموقف. ياسين، شاب في العشرينيات يبيع الفلافل في حي الموقف، يقول: “نحن نريد رزقنا، وليس لدينا محال أو تراخيص، وإغلاق العربات يعني الجوع، لذلك نعمل تحت كل الظروف، رغم معرفتنا بخطرها”. تعكس هذه الكلمات جزءاً من المعضلة الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه المدينة، حيث تتقاطع الحاجة المعيشية مع الصحة العامة.
الجهات الرسمية في حمص تحاول الحد من الظاهرة، لكن محدودية الكوادر وصعوبة السيطرة على الحركة اليومية للعربات تشكل تحدياً. مدير الشؤون الصحية بالمحافظة، الدكتور وائل الحمصي، يقول إن المديرية تتابع الأسواق الشعبية بشكل مستمر، وتقوم بحملات تفتيشية لضبط الأغذية المكشوفة، مؤكداً أنه يتم مصادرة المواد المخالفة وفرض غرامات على الباعة، مع توجيه إنذار بسحب الرخصة في حال تكرار المخالفات. ومع ذلك، يشير الحمصي إلى أن معظم العربات المتنقلة تعمل خارج إطار القانون، ما يصعب السيطرة عليها بالكامل.
وفي الوقت ذاته، يرى الخبير الاجتماعي حيدر قاسم أن المشكلة ليست صحية فقط، بل ثقافية وسلوكية أيضاً. “هناك اعتياد لدى المواطنين على شراء الطعام المكشوف، ويعتبرونه طبيعياً رغم المخاطر، لذلك يجب العمل على تغيير الثقافة الغذائية من خلال التوعية والتعليم والإعلام والمجتمع المدني”، يقول قاسم، مضيفاً أن الحل لا يقتصر على الرقابة فقط، بل يتطلب إشراك المواطنين في رفض شراء الأطعمة المكشوفة ودعم الباعة الملتزمين بالشروط الصحية.
اقتصادياً، ترتبط الظاهرة بالفقر وغلاء المعيشة، فالعامل ذو الدخل المحدود لن يتمكن غالباً من تناول الطعام في مطعم نظامي، بينما يعتمد عليه كمصدر أساسي للرزق. هنا تظهر المعضلة الأخلاقية والاجتماعية، فكيف يمكن ضبط الظاهرة دون أن يُقطع رزق الباعة؟ يرى المختصون أن الحل يكمن في تنظيم الأسواق الشعبية، منح تراخيص مشروطة للبائعين، وإلزامهم باستخدام أدوات نظافة وحماية للأطعمة، مع تغطيتها من الغبار والشمس.
بين الأرصفة المزدحمة وعربات الطعام المكشوفة، يعيش سكان حمص معركة يومية بين لقمة العيش والسلامة الصحية. المواطن يبحث عن وجبة سريعة ورخيصة، والبائع يسعى لكسب رزقه، لكن الثمن قد يكون صحة المجتمع بأكمله. الرقابة وحدها لا تكفي، والمطلوب جهود مشتركة بين السلطات والمواطنين لضمان أن تكون حمص مدينة آمنة غذائياً، بعيداً عن المخاطر الصحية الصامتة التي تهدد أبناءها كل يوم.