في قلب سوريا، حيث تتناثر جراح الحرب وتداعياتها، يواجه مرضى السرطان تحديات مضاعفة تهدد حياتهم. فبينما يعانون من المرض الخبيث، يواجهون أيضًا نقصًا حادًا في الأدوية، تدهورًا في البنية التحتية للمستشفيات، وغيابًا شبه تام للرعاية الصحية المتخصصة. هذه الأزمة الصحية ليست مجرد نقص في الأدوية، بل هي قصة إنسانية مؤلمة تعكس واقعًا مريرًا لآلاف السوريين الذين أصبحوا ضحايا مزدوجة: المرض والفقر.
تفاصيل الأزمة:
وفقًا لوزارة الصحة السورية، تُسجل البلاد أكثر من 17 ألف حالة إصابة جديدة بالسرطان سنويًا، منها حوالي 1500 حالة بين الأطفال. ومع ذلك، لا يتوفر في سوريا سوى 19 مركزًا متخصصًا لعلاج السرطان، ما يجعل الوصول إلى العلاج أمرًا بالغ الصعوبة للعديد من المرضى.
نقص الأدوية ومعاناة المرضى:
تشير جمعية “أصدقاء مرضى السرطان” في السويداء إلى أن نسبة توفر أدوية السرطان في المستشفيات الحكومية لا تتجاوز 20% من الاحتياجات الفعلية. من أصل 95 صنفًا دوائيًا مطلوبًا، يتوفر فقط 26 صنفًا، ما يضطر المرضى إلى شراء الأدوية من الصيدليات الخاصة بأسعار باهظة تتراوح بين 500 و1500 دولار للجرعة الواحدة.
علياء نصري، إحدى الناجيات من السرطان، تقول: “قضيت خمس سنوات أعاني ألم السرطان والفقر معًا. خضعت للعلاج على مدى ستة أشهر، وبقيت تحت المراقبة خمس سنوات أخرى حتى تحسنت حالتي، لكن الحرب جعلت الدواء حلماً بعيداً”.
فادي (40 عامًا) المصاب بسرطان الرئة، يضيف: “هل أنا قادر على الصمود؟ أنفق 50 دولارًا من جيبي الخاص لكل جرعة علاجية، ورغم تقارير طبية تثبت حالتي، تم اعتقالي لأسبوعين بسبب الحواجز العسكرية”.
الوضع في السويداء:
في محافظة السويداء، يُقدّر عدد المصابين بالسرطان بين 7500 و9000 مريض. تواجه الجمعية المحلية تحديات كبيرة في تأمين الأدوية، حيث انخفضت التبرعات بنسبة 66% هذا العام بسبب تجميد الحسابات المصرفية. كما توقّف جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي في المستشفى الوطني منذ خمسة أشهر، ما أجبر المرضى على الانتظار لثلاثة أشهر للحصول على موعد في مستشفيات دمشق.
نداءات دولية:
أطلقت وزارة الصحة السورية نداءً إنسانيًا عاجلًا لتوفير الأدوية لمرضى السرطان، محذّرة من كارثة صحية وشيكة. رئيس اللجنة الوطنية للأورام، جميل الدبل، أكد أن 80% من مرضى السرطان في سوريا بحاجة سريعة وعاجلة لتأمين العلاج الكيماوي، مشيرًا إلى أن الوضع بالغ في الصعوبة بسبب النقص الشديد في الأدوية والأجهزة.
دور المجتمع المدني:
في ظل غياب الدعم الحكومي، تلعب الجمعيات الخيرية دورًا حيويًا في تأمين العلاج للمرضى. جمعية “أصدقاء مرضى السرطان” في السويداء، على سبيل المثال، تمكنت بين 13 تموز و5 آب من تأمين الأدوية لأكثر من 230 مريضًا بتكلفة بلغت 115 مليون ليرة سورية. ومع ذلك، فإن استمرار هذه الجهود مرهون بتدفق التبرعات، حيث تحذر الجمعية من أن الاحتياجات الحالية تتجاوز بكثير ما يمكن توفيره في الظروف الراهنة.
وتجدر الإشارة إلى إن الوضع الراهن يتطلب استجابة عاجلة من المجتمع الدولي والجهات الإنسانية لتأمين الأدوية، دعم الجمعيات، وإنشاء مراكز تشخيصية في المحافظات، لضمان حياة كريمة لمرضى السرطان في سوريا.