لكل السوريين

حمص المرهقة.. أرصفة تختنق تحت فوضى المولدات والبسطات والسيارات

حمص/ بسام الحمد

في قلب مدينة حمص، التي أنهكتها سنوات الحرب وأثقلها الإهمال، تبدو الأرصفة وكأنها لم تعد تعرف وظيفتها الأصلية. ما يفترض أن يكون ممراً آمناً للمشاة، تحوّل إلى مساحة محتلة تتنازعها المولدات والبسطات والسيارات، في مشهد يختصر حالة العشوائية التي تخنق المدينة يوماً بعد يوم. سكان الأحياء القديمة والجديدة على حد سواء يعيشون اليوم واقعاً يصفه كثيرون بأنه “اغتصاب حضري”، حيث لم يعد الرصيف ملكاً للمواطن، بل صار امتداداً لمصالح الآخرين.

منذ أن انطفأت شوارع حمص إثر الدمار الذي طال محطاتها الكهربائية، صار صوت المولدات هو الصوت الأعلى في المدينة. في كل زاوية تقريباً، تصادف مولدة ضخمة تزمجر كوحش معدنيّ، يلتف حولها برميل وقود ومقعد حديدي صغير لمراقبة التشغيل. هذه المولدات، التي دخلت حياة الأهالي بحجة الضرورة، تحوّلت مع الوقت إلى عبء دائم لا يمكن احتماله. في حي الأرمن مثلاً، يقول أبو جلال، وهو موظف متقاعد: “المولدات تحاصرنا من كل اتجاه، الرصيف أمام بيتي لم يعد صالحاً للسير، وصوتها لا يهدأ حتى بعد منتصف الليل”. أما الطالبة رغد الحلبي من حي الإنشاءات فتضيف: “أضطر يومياً للسير في الشارع لأن الرصيف محتلّ، وأخشى في كل لحظة أن تصدمني سيارة”.

لم يقتصر الأمر على الأرصفة المحاذية للمنازل، بل امتد إلى الشوارع التجارية في أحياء مثل الحميدية والغوطة وكرم الشامي، حيث انتشرت المولدات بين المحالّ بشكل عشوائي. أصحابها يرونها “ضرورة اقتصادية” لتشغيل مصالحهم، لكنهم في الواقع حولوا الرصيف إلى ما يشبه مكاتب عمل خاصة، فيما يدفع المارة الثمن من أمنهم وسلامتهم. التلوث السمعي والبصري الناتج عن هذه الفوضى بات جزءاً من المشهد اليومي، إلى درجة أن سكان بعض الأحياء أصبحوا يميزون جيرانهم من نوع المولدة وصوتها!

لكن المولدات ليست وحدها من تبتلع الأرصفة في حمص. أصحاب المحال التجارية بدورهم تجاوزوا حدود محلاتهم ومدّوا بضاعتهم إلى الخارج. في سوق الناعورة، حيث تزدحم الأرصفة بالبضائع، يصف المواطن فادي عكاش المشهد قائلاً: “كل متر على الرصيف محسوب لترويج سلعة، من الخضار إلى الأدوات المنزلية، والممرات أصبحت بالكاد تتسع لشخص واحد”. بعض أصحاب المحال يبررون ذلك بأنه السبيل الوحيد لجذب الزبائن، لكن النتيجة واحدة: المواطن العادي لم يعد يجد مكاناً يسير فيه بسلام.

وفي أحياء مثل عكرمة الجديدة والزهراء، تحوّلت الأرصفة إلى مواقف مجانية للسيارات. في ظل قلة المواقف النظامية، يضطر أصحاب السيارات إلى ركن مركباتهم فوق الأرصفة، متجاهلين المارة تماماً. تقول السيدة أم ناصر، المقيمة في شارع الحضارة: “كل صباح أخرج لأجد السيارات تصطف على الرصيف أمام البناء، لا نستطيع العبور نحن ولا أطفالنا، وحتى كرسي والدتي المتحرك لم يعد يجد طريقاً للسير”. يشاركها الرأي خالد إبراهيم، أحد سكان حي كرم اللوز، ويضيف: “حتى مداخل الأبنية لم تسلم، السيارات تغلق الممرات تماماً، ولا أحد يراقب أو يردع”.

وإذا كانت الأحياء الشعبية في حمص تعاني من احتلال الأرصفة بالمولدات والسيارات، فإن الأحياء التجارية الراقية تواجه نوعاً آخر من الفوضى. في شارع الدبلان، حيث المقاهي والمطاعم المنتشرة، لم تعد الأرصفة سوى امتداد لصالات الجلوس. الطاولات والكراسي والأراكيل تفترش المكان من الجدار حتى حافة الشارع، فيما تعلو أصوات الأغاني ليلاً لتحرم السكان من النوم. المدرّس خليل حيدر من سكان المنطقة يعبّر عن استيائه قائلاً: “أشعر أنني أعيش داخل مقهى مفتوح، لا احترام لليل أو لراحة الناس، ولا أحد يفرض النظام”.

مع بداية العام الدراسي، تحوّلت مشكلة الأرصفة إلى خطر مباشر يهدد الأطفال. في حي الوعر، تروي السيدة منى شحود، وهي أم لطفلين، معاناتها اليومية: “المدرسة تبعد مئتي متر فقط عن المنزل، لكنني لا أستطيع ترك ابني يذهب وحده، لأن المولدات والسيارات تحتل الرصيف بالكامل، والشارع مزدحم بالسيارات”. مشهد مشابه يتكرر في كل صباح، أطفال يسيرون بين السيارات لأن الرصيف لم يعد موجوداً فعلياً، والسائقون يحاولون تفاديهم في لحظات خطرة تتكرر يومياً.

ومع نهاية الدوام المدرسي، يزداد الازدحام في الشوارع الفرعية والرئيسية. يقول أبو سامر، سائق “سرفيس” على خط الجامعة: “نحن نتعامل مع فوضى مستمرة، الأطفال يقطعون الطريق من كل الاتجاهات، والسيارات متوقفة على الأرصفة، وحركة السير مشلولة تماماً”. ويضيف بأسى: “أحياناً تحتاج عشر دقائق لتجاوز شارع طوله مئتا متر”.

رغم شكاوى المواطنين المتكررة، يؤكد مجلس مدينة حمص أنه يتابع القضايا المتعلقة بإشغال الأرصفة من خلال فرق ميدانية خاصة. غير أن السكان يشككون بفعالية هذه الجهود، إذ ما إن تُرفع مولدة أو تُزال بسطات حتى تعود بعد أيام قليلة إلى المكان ذاته، وكأن شيئاً لم يحدث. يقول أبو لؤي، أحد سكان حي القصور: “البلدية تأتي مرة كل شهر، تزيل بعض المخالفات ثم تختفي، والمشكلة تتكرر من جديد”.

الأرصفة في حمص اليوم لم تعد مجرد مساحة إسمنتية على جانب الطريق، بل مرآة تعكس مدى تدهور النظام الحضري في المدينة. حين يُجبر المواطن على السير في وسط الشارع لأن الرصيف لم يعد متاحاً، فإن القضية تتجاوز البنية التحتية لتصل إلى كرامة العيش في مدينة فقدت جزءاً من ملامحها. البعض صار يتجنب الخروج من المنزل إلا للضرورة، والبعض الآخر اختصر طريقه بالمجازفة بين السيارات، فيما ينتظر الجميع أن تستعيد المدينة رصيفها المسلوب، وأن يعود المشي في شوارعها عملاً آمناً لا مغامرة يومية.

حمص التي لطالما عُرفت بأنها “عاصمة الهدوء والتسامح” أصبحت اليوم تبحث عن أبسط حقوقها: رصيفٌ خالٍ من الضجيج والعشوائية، ومساحة صغيرة للمشي بأمان. لكن حتى يتحقق ذلك، يبدو أن الأرصفة ستبقى شاهدة على قصة مدينة تحاول أن تتنفس وسط فوضى لا تنتهي.

- Advertisement -

- Advertisement -