لكل السوريين

حقوقية سورية: المشاركة الفاعلة للمرأة من أولويات الإدارة الذاتية والمؤسسات النسوية

حاورها/ مجد محمد

أكدت جميلة أُحمه أن المشاركة الفاعلة للمرأة في عملية صنع القرار والمساهمة في إعادة بناء المجتمع من أولويات المؤسسات النسوية والإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وأنها تؤمن أن المستقبل في سوريا يعتمد بشكل كبير على الدور المحوري الذي تلعبه المرأة في بناء مجتمع أفضل وأكثر عدالة.

إن رحلة المرأة في شمال وشرق سوريا كانت مليئة بالتحديات والصعاب، ولكنها في الوقت نفسه كانت مليئة بالتضحيات والإنجازات الكبيرة التي أثبتت قوة المرأة وقدرتها على الريادة في مجالات عدة، وفي عهد الإدارة الذاتية، تمكنت المرأة من تحقيق تقدم هائل في مختلف الميادين، من المشاركة السياسية والعسكرية إلى العمل الاجتماعي والاقتصادي، لكن هذا التقدم لا يزال يتطلب المزيد من الجهد والعمل المستمر لمواجهة التحديات المتبقية.

فمنذ أن بدأ مشروع الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، أصبح دور المرأة محورياً في التغيير والتطوير. ما كان يعتبر في السابق تحدياً في العديد من الثقافات أصبح اليوم واقعاً ملموساً. المرأة في هذه المنطقة لم تعد فقط جزءاً من العمليات العسكرية أو الاجتماعية، بل أضحت قوة رئيسية تسهم في كافة ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وبهذا الخصوص، عقدت صحيفتنا حواراً مطولاً مع الحقوقية جميلة أُحمه، العضو في مجلس المرأة، ودار الحوار التالي:

كيف يمكننا وصف دور المرأة في شمال وشرق سوريا تحت الإدارة الذاتية؟

دور المرأة في شمال وشرق سوريا تحت الإدارة الذاتية يتجاوز الأبعاد التقليدية لدور المرأة في مناطق الصراع. من خلال العمل المستمر والتفاعل المباشر مع جميع فئات المجتمع، أثبتت المرأة في هذه المنطقة قدرتها على القيادة والمساهمة الفاعلة في إعادة بناء المجتمع بعد سنوات من النزاع. كان للمرأة دور محوري في تشكيل البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة. في البداية، كانت مساهمات المرأة تظهر بشكل تدريجي، ولكن مع مرور الوقت بدأت النساء يتقلدن مناصب عليا في المجالس التنفيذية والعسكرية، وأصبحن قوة أساسية في صنع القرارات التي تهم المجتمع المحلي. وجود المرأة في جميع هذه المجالات لا يعكس فقط تقدماً في مجال حقوق المرأة، بل يعكس أيضاً تحولاً ثقافياً واجتماعياً يساهم في خلق مجتمع أكثر مساواة وتعاوناً.

هل كانت هناك سياسات أو مبادرات خاصة تم اتخاذها لدعم مشاركة المرأة في هذه المجالات؟

نعم، نحن في الإدارة الذاتية عملنا على تطوير العديد من المبادرات التي تهدف إلى تمكين المرأة. من أبرز هذه المبادرات إنشاء هيئات ومجالس تمثل النساء بشكل مباشر في عملية صنع القرار. على سبيل المثال، أنشأنا “مجلس المرأة” الذي يضم تمثيلاً نسائياً في جميع المجالات السياسية والاجتماعية، ويعمل بشكل مباشر على تطوير السياسات التي تخدم المرأة وتضمن حقوقها. نحن نضع المرأة في قلب كل عملية تنموية، ونحرص على ضمان وجودها في المناصب القيادية، سواء كانت سياسية أو عسكرية. كما أطلقنا العديد من البرامج التدريبية التي تهدف إلى تعزيز مهارات النساء في مختلف المجالات، وهذه البرامج تتراوح بين القيادة والدفاع عن حقوق المرأة والعمل في المجالات الإنسانية. نحن نؤمن أن تمكين المرأة هو جزء أساسي من بناء المجتمع المستدام.

ما أبرز الإنجازات التي حققتها المرأة في شمال وشرق سوريا في الفترة الأخيرة؟

الإنجازات التي حققتها المرأة في شمال وشرق سوريا لا تعد ولا تحصى. أحد أبرز الإنجازات هو تمثيل النساء في مناصب قيادية على مختلف الأصعدة. هناك الآن نساء يشغلن مناصب رفيعة في المجالس التنفيذية والمحلية، وكذلك في القوات العسكرية التي تقاتل من أجل حماية المنطقة. كما أن النساء أصبحن يشرفن على مشاريع إعادة الإعمار، ويوجهن السياسات التعليمية والصحية، ويرأسن منظمات غير حكومية. في العديد من الحالات، أصبحت النساء في شمال وشرق سوريا مثالاً يحتذى به في المنطقة العربية ككل. تمكنّ من التغلب على العديد من القيود الثقافية والاجتماعية، وأصبحت مشاركتهن في العمل السياسي والعسكري جزءاً من الواقع اليومي. إن تطور دور المرأة في هذه المجالات يعتبر خطوة كبيرة نحو التغيير الثقافي والاجتماعي في المنطقة.

في ظل الحرب والصراعات المستمرة، كيف تمكنت المرأة من الحفاظ على دورها البارز؟

رغم الظروف الصعبة والتحديات التي فرضتها الحرب، تمكنت المرأة من الحفاظ على دورها الفاعل من خلال القدرة على التأقلم والإبداع. عندما تعرضت المنطقة لهجمات متعددة من قبل قوى مختلفة، كانت المرأة في الصفوف الأمامية، سواء في مقاومة الاحتلالات أو في مجال تقديم الدعم النفسي للمجتمعات المتضررة. لا تقتصر مشاركة المرأة على الأدوار الإنسانية فقط، بل كان لها دور كبير في التنظيم السياسي والعسكري. العديد من النساء اللواتي انضممن إلى قوات الدفاع أو المنظمات الإنسانية أظهرن قوة وصموداً في مواجهة التحديات الأمنية، وتحولت تلك التجارب إلى فرص حقيقية لتعزيز مكانتهن في المجتمع. هذه التضحيات أكسبت المرأة في شمال وشرق سوريا احتراماً عالمياً وأثرت بشكل إيجابي على صورة النساء في المناطق المتأثرة بالنزاع.

ما أكبر التحديات التي تواجهها المرأة في شمال وشرق سوريا؟

رغم التقدم الكبير الذي حققته المرأة في هذه المنطقة، إلا أن التحديات لا تزال قائمة. أحد أكبر التحديات هو التقاليد الاجتماعية التي تحاول تقييد حرية المرأة في بعض المناطق. على الرغم من تقدم المرأة في مجالات عدة، إلا أن بعض العادات القديمة ما زالت تؤثر على فرص النساء في التعليم والعمل. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال هناك صعوبات في ضمان المساواة الحقيقية في الأجور والفرص بين الرجل والمرأة. التحديات الأمنية أيضاً من العوامل التي تؤثر على قدرة النساء على التقدم، خصوصاً في المناطق الحدودية أو التي تشهد عمليات عسكرية. ومع ذلك، نحن نعمل جاهدين على تغيير هذه المفاهيم من خلال التوعية وتقديم الدعم النفسي والقانوني للنساء في المناطق المتأثرة بالصراع.

هل توجد برامج خاصة لدعم حقوق المرأة في مجال العمل؟

نعم، نحن في الإدارة الذاتية نقدم دعماً كبيراً للمرأة في مجال العمل. لدينا العديد من المبادرات التي تهدف إلى مساعدة النساء في إيجاد فرص عمل مناسبة. قمنا بإنشاء مراكز تدريبية متخصصة لتطوير مهارات النساء في مختلف المجالات مثل الأعمال التجارية والحرف اليدوية والقطاع التقني. هذه البرامج ليست فقط تعليمية، بل توفر أيضاً فرصاً لإنشاء مشاريع صغيرة تساعد النساء على الاستقلال المالي. كما أن لدينا مبادرات تهدف إلى تعزيز مكانة المرأة في القطاع العام، خاصة في مجالات التعليم والصحة والإعلام. نحن نؤمن أن فرص العمل يجب أن تكون متاحة للجميع بغض النظر عن الجنس، وأن المرأة لديها القدرة على التأثير الإيجابي في الاقتصاد المحلي إذا أُتيحت لها الفرصة.

كيف يمكن للمرأة أن تساهم بشكل أكبر في عملية اتخاذ القرار في مناطق الإدارة الذاتية؟

إن مشاركة المرأة في اتخاذ القرار جزء أساسي من رؤية الإدارة الذاتية. من خلال برامجنا الحالية، نحرص على تعزيز تمثيل المرأة في كل هيكل إداري. نحن نعمل على تدريب النساء وتشجيعهن على الترشح للانتخابات المحلية والإقليمية لتقلد المناصب التنفيذية والتشريعية. كما أن لدينا ورش عمل وندوات تركز على تطوير مهارات القيادة لدى النساء من جميع الأعمار. مشاركتهن في عمليات صنع القرار لا تقتصر على القضايا المتعلقة بالمرأة فقط، بل تمتد لتشمل جميع القضايا المجتمعية والاقتصادية والسياسية. الهدف هو ضمان أن يكون للمرأة دور أساسي في أي قرار يتعلق بمستقبل المنطقة، ونحن نثق أن المرأة ستواصل إثبات قدرتها على القيادة والتأثير.

كيف يتم التعامل مع حالات العنف ضد المرأة في شمال وشرق سوريا؟

العنف ضد المرأة يعد من القضايا التي نوليها اهتماماً بالغاً. نحن نعمل على توفير مراكز آمنة للنساء ضحايا العنف، حيث يتم تقديم الدعم النفسي والرعاية القانونية والمأوى للنساء اللواتي تعرضن للاعتداء. بالإضافة إلى ذلك، هناك قوانين صارمة تم سنها لمعاقبة مرتكبي العنف ضد المرأة، ونحن نقوم بتفعيلها بشكل مستمر. هذه المراكز ليست فقط أماكن للنجاة، بل هي أيضاً مراكز لتوعية النساء بحقوقهن القانونية وكيفية حماية أنفسهن. نواصل أيضاً العمل على تغيير المفاهيم المجتمعية التي تبرر العنف ضد المرأة، من خلال حملات توعية تشمل المدارس والمجتمعات المحلية.

كيف ترين المستقبل بالنسبة للمرأة في شمال وشرق سوريا على المدى الطويل؟

مستقبل المرأة في شمال وشرق سوريا مشرق جداً. نحن في الإدارة الذاتية نؤمن أن المجتمع لن يتقدم دون المشاركة الفاعلة للمرأة في جميع المجالات. على المدى الطويل، نطمح إلى أن نرى المزيد من النساء يتولين المناصب القيادية، سواء في المجال السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي. نرى أن المرأة ستكون محورية في عملية إعادة بناء سوريا بعد سنوات الحرب، ومن خلال التعليم والتدريب المستمر سنتمكن من خلق جيل جديد من النساء القياديات اللواتي سيحققن تغييراً حقيقياً في المجتمع. نحن نعمل جاهدين لضمان أن تكون النساء جزءاً أساسياً في مستقبل سوريا، ونأمل أن يكون لهن دور أكبر في تحقيق العدالة والازدهار للجميع. نحن نركز على بناء مجتمع أكثر توازناً، حيث تكون المشاركة الفاعلة للمرأة جزءاً لا يتجزأ من عملية التغيير والإصلاح، ومن خلال برامجنا الحالية نأمل أن نتمكن من تعزيز هذا الدور على المدى الطويل بحيث تصبح المرأة عنصراً أساسياً في القيادة والتخطيط للمستقبل في جميع المجالات.

 

كيف تساهم المرأة في إعادة بناء المجتمع في شمال وشرق سوريا بعد سنوات النزاع؟

المرأة في شمال وشرق سوريا تشارك بفاعلية في عملية إعادة الإعمار على جميع الأصعدة. نحن نرى أن النساء اللواتي كن جزءاً من المقاومة العسكرية أو منظمات المجتمع المدني، اليوم هن في طليعة مشاريع إعادة البناء. العديد منهن يتولين مسؤولية إدارة المشاريع الإنسانية، بينما تساهم أخريات في إعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية مثل المدارس والمراكز الصحية. المرأة أيضاً تلعب دوراً كبيراً في تطوير المجتمعات المحلية عبر المشاريع الصغيرة التي تخلق فرص عمل جديدة، مما يعزز الاقتصاد المحلي ويقلل من تأثيرات الحرب الاقتصادية. في المجالات الاجتماعية، تساهم النساء في إعادة بناء النسيج الاجتماعي من خلال التأثير الإيجابي في تعزيز التفاهم والتعايش بين كافة مكونات المنطقة. هؤلاء النساء لا يعملن فقط على المساعدة في إعادة البناء المادي، بل يسهمن أيضاً في بناء الإنسان والمجتمع القادر على الاستمرار والنمو رغم التحديات.

ماذا تقولين للمرأة في المناطق التي ما زالت تواجه تحديات كبيرة من حيث الحقوق والفرص؟

أقول للمرأة في هذه المناطق إن صوتها مهم، وأفعالها لا تقل أهمية. لا تدعن العقبات التي تواجهكن تحجب رؤيتكن عن تحقيق أحلامكن. نحن في الإدارة الذاتية نؤمن بأن المرأة شريك أساسي في بناء المستقبل، وأن حقها في المشاركة والمساواة حق مشروع وغير قابل للتفاوض. نحن مستمرون في دعم النساء في كافة المجالات، ونشجعهن على التقدم والتعبير عن طموحاتهن. على الرغم من الصعوبات، نحن نؤمن أن إرادة النساء قادرة على تخطي الحدود وإحداث التغيير المطلوب في مجتمعاتهن. معاً يمكننا تحويل التحديات إلى فرص وتحقيق مستقبل أفضل للمرأة وللمجتمع ككل.

ما هي الرسالة التي تودين توجيهها للمجتمع الدولي بخصوص دعم حقوق المرأة في شمال وشرق سوريا؟

رسالتي للمجتمع الدولي هي أن دعم حقوق المرأة في شمال وشرق سوريا هو دعم لمستقبل المنطقة بشكل عام. المرأة في شمال وشرق سوريا تواجه تحديات استثنائية، ولكنها في الوقت ذاته تُظهر قوة وصموداً يستحقان الدعم والتشجيع. نحن بحاجة إلى دعم مستمر في مجالات التعليم والرعاية الصحية وبرامج التمكين الاقتصادي، بالإضافة إلى المساعدة في محاربة جميع أشكال العنف ضد المرأة. يمكن للمجتمع الدولي أن يكون شريكاً فعالاً في هذه العملية من خلال تقديم الدعم السياسي والمادي والتقني، مما يعزز قدرة النساء في المنطقة على تحقيق إمكانياتهن الكاملة والمساهمة في بناء مجتمع ديمقراطي وعادل.

 

- Advertisement -

- Advertisement -