لكل السوريين

الجنوب السوري على حافة الرحيل

القنيطرة/ رجاء مختار

في بيت متصدع على أطراف قرية صغيرة في ريف القنيطرة، جلست سهى تحتضن أطفالها الثلاثة، بينما كان زوجها إبراهيم يراقب السماء التي لم تهدأ منذ أسابيع، يتخللها أزيز الطائرات وصوت انفجارات بعيدة تقطع سكون الليل.

تقول سهى، وهي تنظر إلى حقيبة صغيرة جمعت فيها بعض الملابس والوثائق: «لم أعد أستطيع النوم، كل ليلة أخاف أن نصبح خبراً في صباح اليوم التالي». ومع الفجر، قررت العائلة الرحيل نحو درعا، أملاً في العثور على حياة أكثر هدوءاً، أو على الأقل مكان لا تهتز فيه الجدران من أصوات القصف.

القنيطرة، المدينة التي كانت تنبض بالحياة قرب خط الفصل مع الجولان المحتل، تعيش اليوم على وقع الخوف. تصاعدت الضربات والغارات الإسرائيلية على مواقع متفرقة في الريف، وانتشرت أخبار عن تحركات عسكرية وعمليات تسلل محدودة على الحدود، ما دفع الكثير من الأهالي إلى حمل ما تبقى من متاعهم والمغادرة نحو الداخل السوري، تاركين بيوتاً عمرها سنوات وذكريات تتناثر كالغبار في الريح.

النزوح هذه المرة لم يكن بسبب الحرب وحدها، بل بسبب الحياة نفسها التي ضاقت بأهلها. الكهرباء شبه منقطعة، والماء بالكاد يصل، أما الوقود فارتفع سعره بشكل كبير، ما أجبر السكان على الوقوف في طوابير طويلة أمام محطات البنزين والمازوت، وغالباً ما يعودون خائبين. ومع اقتراب الشتاء، صار الحطب البديل الوحيد للتدفئة.

درعا، وجهة النازحين، لم تكن أفضل حالاً. المحافظة تستقبل مئات العائلات القادمة من القنيطرة، لكنها تعاني بدورها من نقص الوقود والمواد الأساسية. المدارس ممتلئة، وبعض الأبنية المدمرة تحولت إلى مساكن مؤقتة، والشوارع تعج بالسيارات المتوقفة أمام محطات الوقود، بينما يبقى السوق السوداء حلاً للبقاء.

المبادرات المحلية تحاول التخفيف من الأزمة، حيث يقوم شباب متطوعون بجمع التبرعات وتوزيع وجبات وملابس، وتفتح بعض القرى أبواب بيوتها القديمة لاستضافة النازحين، بينما تتحول المدارس المغلقة إلى ملاجئ مؤقتة. ومع ذلك، تبقى هذه الجهود محدودة أمام حجم المأساة، خصوصاً مع استمرار تدفق العائلات من القنيطرة.

المعاناة تتجاوز الجوع والبرد إلى الإحساس بالضياع، فالأهالي يشعرون بأنهم يعيشون في زمنٍ معلق: «لسنا هنا باختيارنا، نحن فقط نبحث عن الأمان»، عبارة تتكرر على ألسنة الجميع.

مع مرور الأيام، تتغير ملامح القرى في درعا والقنيطرة، فالطرق التي كانت تعج بالحركة أصبحت شبه خالية، والأسواق فقدت حيويتها، والأراضي الزراعية تحولت إلى بور بعد رحيل أصحابها خوفاً من القصف أو نقص الوقود. ومع انقطاع الخدمات الأساسية، أصبح البقاء نفسه تحدياً يومياً.

في نهاية اليوم، تجلس سهى أمام خيمتها قرب بلدة الحراك في درعا، تراقب أطفالها يلعبون بقطع من الطين، وتقول بصوت تعب: «كل ما نريده هو بيت آمن، سقف فوق رؤوسنا لا نخاف أن يسقط». ومع غروب الشمس، تمتد ظلال المخيمات على الأرض، كأنها تحاول إخفاء وجع الجنوب السوري الذي لا يهدأ.

الجنوب السوري اليوم يعيش بين قنيطرة مهددة ودرعا منهكة، بين خوف من حرب محتملة وعجز عن العيش بسلام. كل بيت يحمل قصة، وكل وجه أثر الرحيل، والجنوب السوري ما زال على حافة الانتظار، ينتظر مرور الشتاء، انتهاء الحرب، أو عودة الأمان الذي رحل منذ زمن بعيد.

 

- Advertisement -

- Advertisement -