بين وعود الانتقال وواقع الإقصاء، تتكشف ملامح مرحلة سورية جديدة تحمل ملامح قديمة، فبدلاً من أن يكون مجلس الشعب الوليد عنواناً لبداية ديمقراطية، جاء تجسيداً لأسلوب الوصاية السياسية الذي ثار عليه السوريون قبل أعوام.
ويتم تشكيل المؤسسة التشريعية اليوم بقرارات فوقية، وتمنح المقاعد بآلية تعيين مغلّفة بخطاب المشاركة، فيما يستبعد الشعب عن الفعل السياسي الحقيقي تحت ذرائع “الظروف الأمنية” و“حماية الاستقرار”.
ما يجري ليس انتقالاً سياسياً، بل استبدال شكلي في الواجهة، فحين تُدار العملية السياسية من المكاتب لا من صناديق الاقتراع، وحين يتم اختار الممثلين وفق الولاء لا وفق الإرادة الشعبية، تتحول العدالة الانتقالية إلى مجرد شعار، وتعاد صياغة الدولة بذات أدوات الهيمنة القديمة.
والأخطر أن هذا النهج يراد له أن يبدو طبيعياً، وكأن غياب الديمقراطية قدر لا فكاك منه، ولكن الدول لا تبنى على الخوف من رأي المواطن، ولا على تهميش مناطقه ومكوناته، بل على الثقة والمشاركة والشفافية.
إن البرلمان الذي يولد بالتعيين لا يمكن أن يمثل الشعب، بل يمثل السلطة التي أنجبته.
لقد انتظر السوريون عقداً من الزمن ليخرجوا من نفق الاستبداد، فإذا بهم يجدون أنفسهم أمام سلطة جديدة تستخدم ذات المبررات القديمة “الاستقرار أولاً، الديمقراطية لاحقاً”، غير أن الاستقرار الذي يُبنى على التهميش هشّ، والانتقال الذي يبدأ بالإقصاء ينتهي بالتسلط.
وسوريا اليوم أمام مفترق حقيقي، إما أن تختار طريق المشاركة والمساءلة، أو أن تواصل الدوران في الحلقة التي أفرغت مؤسساتها من معناها، فالبرلمان بلا شعب لا يصنع ديمقراطية، والمرحلة الانتقالية بلا إرادة الناس ليست سوى امتداد لمرحلة لم تنتهِ بعد.