لكل السوريين

أزمة المحروقات في درعا.. حياة معلقة بين الطوابير والبرد

 درعا/ رجاء مختار

تقف أم علي مع أطفالها الخمسة أمام محطة وقود في حي درعا البلد، والبرد يلسع وجوههم. ساعة بعد ساعة، وهم ينتظرون الحصول على بضع ليترات من المازوت لتدفئة منزلهم الصغير. الأطفال يرتجفون من البرد، وأم علي تحاول إشعال النار ببقايا الحطب، لكنها تدرك أن الكمية لا تكفي أكثر من ساعة.

تقول بصوت مخنوق: “نحاول حماية أولادنا من البرد، لكن الواقع أصبح قاسياً أكثر من أي وقت مضى”. هذه المشاهد اليومية باتت مألوفة في جميع أحياء درعا، حيث تعكس أزمة المحروقات واقعاً صعباً يعيشه السكان كل يوم.

درعا، المدينة الجنوبية التي لطالما كانت محور حياة سكانها الزراعية والتجارية، تشهد اليوم أزمة محروقات خانقة تُعرّض السكان لمشكلات يومية متصاعدة. في شوارع المدينة، تصطف السيارات والدراجات النارية في طوابير طويلة أمام محطات الوقود، فيما ينتظر أصحاب المركبات لساعات أحياناً، وربما أيام، للحصول على بضع ليترات من البنزين أو المازوت. صبر الأهالي بدأ ينفد، وقلق الشتاء يلوح في الأفق، إذ لا يملكون بدائل كافية لتدفئة منازلهم أو تشغيل سياراتهم ومضخات المياه.

أبو فراس، سائق سيارة أجرة في حي درعا البلد، يصف الواقع بأنه “معاناة لا توصف”. كل يوم يبدأ الساعة الخامسة صباحاً في انتظار حصوله على البنزين، ويستمر في الطابور ساعات طويلة بلا جدوى.

يقول: “أحياناً أعود إلى المنزل خالي الوفاض، وإذا اضطررت للشراء من السوق السوداء، أشتري بسعر ثلاثة أضعاف الأسعار الرسمية. عملي شبه متوقف، وأطفالي بحاجة إلى الطعام والدفء”. قصته ليست الوحيدة؛ فهي واحدة من آلاف القصص اليومية التي يواجهها السكان في مواجهة أزمة الوقود.

في أحد الأحياء الريفية، تنتظر أم علي، وهي أم لخمسة أطفال، الحصول على المازوت لتدفئة منزلها الصغير. تقول: “الليالي أصبحت لا تطاق، الأطفال يرتجفون من البرد، ونحاول إشعال نار بالحطب، لكن الكمية المتوفرة قليلة ولا تكفي أكثر من ساعة”. ومع محدودية البدائل، يجد الأهالي أنفسهم مضطرين للاستدانة أو شراء الوقود بأسعار مضاعفة، ما يزيد من أعباء المعيشة المتراكمة.

أزمة الوقود لم تقتصر على المنازل أو وسائل النقل فحسب، بل امتدت لتشمل المدارس والمستشفيات والمحلات التجارية. في مدرسة ابتدائية بمدينة درعا، يجلس الأطفال على الأرض في فصلٍ يفتقر للتدفئة، بينما يضطر بعض المعلمين إلى تشغيل مولدات كهربائية بالمازوت القليل المتاح، ما يجعل دوام المدرسة شبه مستحيل في الأيام الباردة. تقول معلمة في المدرسة: “نحاول قدر الإمكان أن نستمر بالتدريس، لكن الحقيقة أننا نعيش حالة طوارئ دائمة بسبب نقص الوقود والكهرباء”.

في السوق التجاري، تحول سعر لتر البنزين إلى كابوس يومي. بعض التجار يعمدون إلى تخزين كميات محدودة وبيعها بسعر السوق السوداء، ما أجبر السكان على دفع أضعاف الأسعار الرسمية، وأدى إلى توترات بين المواطنين والتجار. أبو يوسف، صاحب محل خضار وفواكه، يروي كيف أثر انقطاع الوقود على عمله: “سيارتي الصغيرة توقفت عن العمل منذ أسبوعين، والمنتجات لا تصل إلى المحل، والمزارع لا تستطيع ضخ المياه إلى الأراضي. الأزمة أثرت على كل شيء في حياتنا اليومية”.

القصص الإنسانية في درعا كثيرة ومتنوعة. في حي درعا البلد، تجمع بعض العائلات الصغيرة حول حطب متواضع في محاولة لتدفئة أطفالها، فيما يضطر آخرون للسفر مسافات طويلة للحصول على بعض الوقود. أبو أحمد، نازح من الريف، يصف معاناته قائلاً: “نعيش كل يوم كأنه اختبار، لا نعرف متى سنحصل على لتر واحد من الوقود. الشتاء قادم، والخطر الحقيقي ليس فقط البرد، بل المرض والجوع وعدم القدرة على الحركة”.

أزمة المحروقات أيضاً أثرت بشكل مباشر على المزارعين في الريف، الذين يعتمدون على مضخات المياه بالمازوت لري الأراضي. فمع انقطاع الوقود، تتعرض المحاصيل للتلف، ويضطر المزارع إلى شراء المازوت من السوق السوداء بأسعار مرتفعة أو الاكتفاء بما تبقى لديه من مخزون محدود.

تقول أم زيد، وهي مزارعة من الريف الشرقي: “الأرض تجف، والحطب قليل، وأطفالي بحاجة للدفء. شعورنا كل يوم بالخوف من أن نفقد كل شيء أصبح حقيقة لا مفر منها”.

مع استمرار الأزمة، لجأت بعض المبادرات المحلية لمساعدة الأسر الأكثر ضعفاً. شباب متطوعون يقومون بجمع تبرعات من الأهالي الذين ما زال لديهم مخزون، ويوزعون بعض الحطب والوقود على العائلات المحتاجة. غير أن هذه الجهود تظل محدودة أمام حجم الأزمة، والعديد من العائلات لم تصلها أي مساعدة حتى الآن.

بين الطوابير الطويلة، وأسعار الوقود المرتفعة، ونقص الدفء في المنازل، يعيش سكان درعا حالة من الترقب والقلق. الشتاء يقترب، والبرد يلوّح في الأفق، والناس في هذه المدينة الجنوبية ما زالوا يتأرجحون بين البحث عن الدفء والحفاظ على حياتهم اليومية في ظل أزمة محروقات لا تعرف الحلول السريعة. قصة كل عائلة في درعا اليوم تعكس مأساة مجتمع كامل، يعيش على أمل أن تتحسن الأمور وأن يعبر الشتاء القادم دون خسائر أكبر، وأن يعود الوقود ليصبح حقاً متاحاً لا رفاهيةً.

- Advertisement -

- Advertisement -