لكل السوريين

المدارس المهدّمة في حماة.. رحلة شاقة نحو استعادة الحياة التعليمية

حماة/ جمانة الخالد

تعيش محافظة حماة واحدةً من أعقد المراحل في تاريخها التعليمي، بعد أن تحوّلت مدارسها، التي كانت في يومٍ من الأيام مناراتٍ للعلم والمعرفة، إلى مبانٍ خاويةٍ أو ركامٍ جاثمٍ على الأرض. فالحرب التي مرّت على البلاد خلّفت وراءها دماراً واسعاً أصاب البنى التحتية، وكان للقطاع التربوي النصيب الأكبر من الأذى. فالمئات من المدارس في مدن وقرى الريف الحموي الشمالي سُوّيت بالأرض، وأخرى نُهبت تجهيزاتها أو أُحرقت قاعاتها، لتغدو مشاهد المقاعد المقلوبة والسبّورات السوداء المغبّرة جزءاً من ذاكرة موجعة لسكان المنطقة.

لقد فقدت حماة خلال سنوات الصراع ما يقارب ثلث مدارسها الفاعلة، إذ خرجت 67 مدرسة من الخدمة نهائياً، فيما أصيبت مئات أخرى بأضرار متفاوتة جعلتها غير صالحة لاستقبال الطلاب. ومنذ اليوم الأول لتحرير المدينة وريفها، بدأت الجهود الرسمية والأهلية سباقاً مع الزمن لإعادة الروح إلى ما تبقّى من مؤسسات التعليم، لأن التعليم في سوريا لم يكن يوماً مجرد مهنة، بل هو قضية وجودٍ تمسّ حاضر البلاد ومستقبلها.

مديرية تربية حماة قدّرت عدد المدارس المتضررة بنحو 527 من أصل 1902 مدرسة كانت قائمة قبل الحرب. 479 منها ما تزال مغلقة حتى اليوم، أي ربع مدارس المحافظة تقريباً، بينما تعمل 1448 مدرسة فقط. الأضرار تراوحت بين انهيارات جزئية طالت الأسقف والجدران، وتدمير كليّ جعل بعض المدارس أثراً بعد عين. وعلى الرغم من الجهود المبذولة لإصلاح ما يمكن إصلاحه، فإن واقع الدمار يفوق طاقة المؤسسات المحلية، ويحتاج إلى تدخل واسع ومستدام.

مع انطلاق مشاريع إعادة الإعمار، أوفدت وزارة التربية لجاناً فنية لتقييم أوضاع المدارس المهدّمة، حيث تم وضع خططٍ شاملة لإعادة تأهيل 288 مدرسة في المحافظة. ضمن حملة “حماة تنبض من جديد” بدأت أولى مراحل العمل بترميم أربع عشرة مدرسة كخطوة أولى، شاركت في تمويلها منظمات دولية ومحلية وجمعيات أهلية، منها جمعية نسمة، ومنظمة “رحمة بلا حدود”، واليونيسيف. وقد شهدت هذه المرحلة إنجازات محدودة لكنها رمزية، أعادت الحياة إلى عدد من الصفوف في مدارس بسام العمادي، وعمر بن الخطاب، ومدرسة أبي عبيدة في محردة، وثانوية عبد العزيز عدي في حماة المدينة. ومع ذلك، بقيت مئات المدارس الأخرى تنتظر دورها وسط صعوبات مالية وهندسية كبيرة.

المديرون والمهندسون المشرفون على إعادة الإعمار يؤكدون أن أكبر التحديات تكمن في حجم الدمار الكبير وغياب التمويل الكافي، إضافةً إلى ارتفاع كلفة المواد وندرة اليد العاملة المؤهلة. بعض الأبنية المدرسية تحتاج إلى إعادة بناء من الأساسات، بينما يقتصر عمل أخرى على إصلاح جزئي في النوافذ والأبواب أو إعادة طلاء الجدران. غير أن المشكلة لا تقتصر على الحجر فحسب، بل تشمل أيضاً النقص الحاد في المقاعد والمستلزمات التعليمية، وهو ما يجعل العملية التربوية متعثّرة حتى في المدارس التي عادت للخدمة.

تفاقمت الأزمة بعد عودة آلاف العائلات إلى مدنها وقراها عقب التحرير، إذ تجاوز عدد الأسر العائدة إلى محافظة حماة 250 ألف أسرة، عاد معها عشرات الآلاف من الأطفال إلى مقاعد الدراسة أو ما تبقّى منها. في ظل هذا الواقع، لم تعد المدارس القليلة الصالحة قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب، فازدادت الكثافة الصفّية بشكل خطير، حتى وصل عدد التلاميذ في الصف الواحد إلى مئة طالب في بعض المناطق، ما يهدد بارتفاع معدلات التسرب المدرسي.

في مدينة مورك، التي تُعدّ من أكثر مناطق الريف الحموي تضرراً، تبدو المأساة مضاعفة. فمع عودة السكان إلى منازلهم المدمرة، وجدوا أن مدارسهم لم تعد موجودة إلا في الذاكرة. القاعات خالية، الأسوار مهدّمة، والباحات تحوّلت إلى أراضٍ جرداء. ومع بداية العام الدراسي، باتت المدينة بحاجة ماسة إلى تدخل عاجل يعيد بناء بنيتها التعليمية. وقد ناشد الأهالي والمنظمات الإنسانية أن يكون التعليم في مورك أولوية، لأن الأطفال هناك يعيشون واقعاً يهدد ضياع مستقبل جيل كامل.

الوضع لا يختلف كثيراً في كرناز واللطامنة وكفرنبوذة، حيث تكاد الأبنية المدرسية تندثر كلياً. ففي كرناز وحدها ثلاث مدارس من أصل اثنتي عشرة تضررت إنشائياً بشكل بالغ، بينما تحتاج البقية إلى أعمال صيانة عاجلة. وفي اللطامنة، التي عادت إليها نحو 2700 أسرة، ما تزال ثماني مدارس خارج الخدمة تماماً، مما جعل ستة آلاف طالب وطالبة عرضة للانقطاع عن التعليم. ومع ذلك، بدأت بعض المبادرات الأهلية في المدينة بتنظيف الأنقاض من مبنى مدرسة عبد العزيز النعسان تمهيداً لترميمها، وهي خطوة صغيرة لكنها تحمل أملاً كبيراً في استعادة الحياة الدراسية.

لم تقف الجهود عند العمل الرسمي فحسب، بل امتدت إلى المجتمع الأهلي الذي لعب دوراً محورياً في دعم العملية التعليمية. فقد انطلقت حملات تنظيف وتبرّع في كفرزيتا وكرناز وعقيربات، حيث تعاون الأهالي مع فرق تطوعية لتنظيف المدارس وتأهيلها بوسائل بسيطة. وفي كفرزيتا، قام المتطوعون بحملة لإعادة الحياة إلى مدرسة شايش سويد رغم قلة الإمكانات، بينما ساهم أبناء المدينة المقيمون في الخارج بإرسال تبرعات لتأمين المقاعد والأبواب. كما بادر أحد المغتربين من مدينة مورك إلى التبرع بمبلغ تجاوز نصف مليون دولار لبناء مدرسة حديثة، في مبادرة تعبّر عن عمق الانتماء والحرص على دعم التعليم في مسقط رأسه.

وزارة التربية من جهتها أعلنت أن أعمال الترميم شملت حتى الآن أكثر من 531 مدرسة على مستوى البلاد، منها 28 في محافظة حماة، في حين يجري العمل على ترميم 49 مدرسة أخرى ضمن المرحلة التالية. وتشمل المشاريع الجديدة تحديث البنية التحتية للمياه والكهرباء، وتزويد المدارس بمختبرات وتجهيزات رقمية، في محاولة لمجاراة التطور التعليمي بعد سنوات طويلة من الانقطاع.

إن ما تشهده حماة اليوم ليس مجرد عملية بناء جدران، بل هو إعادة ترميم لذاكرة جماعية ولحلمٍ وطني. فكل صفّ يُعاد تأهيله يعني إنقاذ عشرات الأطفال من الجهل، وكل بابٍ يُفتح من جديد أمام الطلبة هو نافذة أملٍ لمستقبل أفضل. وبرغم التحديات الهائلة ونقص الموارد، فإن الإصرار الشعبي والجهود المشتركة بين الدولة والمجتمع المحلي ما تزال قادرة على صنع الفرق. فمدارس حماة، وإن كانت اليوم تحمل ندوب الحرب على جدرانها، إلا أنها تبقى رمزاً لصمود الإنسان السوري وإرادته في النهوض من بين الركام، وإصراره على أن يبقى العلم أقوى من الخراب.

- Advertisement -

- Advertisement -