لكل السوريين

الخطف في درعا: مأساة إنسانية تتجدد يوماً بعد يوم

درعا/ رجاء مختار

تقف أم محمد مع أطفالها الخمسة في شتاء بارد أمام محطة وقود في حي درعا البلد، والبرد يلسع وجوههم. ساعة بعد ساعة، وهم ينتظرون الحصول على بضع ليترات من المازوت لتدفئة منزلهم الصغير. الأطفال يرتجفون من البرد، وأم محمد تحاول إشعال النار ببقايا الحطب، لكنها تدرك أن الكمية لا تكفي أكثر من ساعة.

تقول بصوت مخنوق: “نحاول حماية أولادنا من البرد، لكن الواقع أصبح قاسياً أكثر من أي وقت مضى”. هذه المشاهد اليومية باتت مألوفة في جميع أحياء درعا، حيث تعكس أزمة المحروقات واقعاً صعباً يعيشه السكان كل يوم.

تشهد محافظة درعا، الواقعة في جنوب سوريا، تصاعداً ملحوظاً في حالات الخطف التي طالت المدنيين، خاصة الأطفال والشباب. وفقاً لتقرير صادر عن “تجمع أحرار حوران”، وثق المكتب 217 حالة قتل خلال النصف الأول من عام 2025، نتيجة عمليات اغتيال، وقصف إسرائيلي، وحوادث قتل. من بين هذه الحوادث، كانت هناك حالات اختطاف لمدنيين، حيث تعرضوا للاختطاف من قبل مسلحين مجهولين، وتم طلب فدية مالية مقابل إطلاق سراحهم.

في حادثة أخرى، تم اختطاف حافلة صغيرة كانت تقل ثمانية أشخاص، بينهم ست نساء، أثناء توجههم من صحنايا بريف دمشق إلى محافظة السويداء عبر محافظة درعا. تم اعتراض الحافلة بالقرب من بلدة كحيل بريف درعا الشرقي، واقتاد المسلحون الركاب إلى مكان مجهول. هذه الحادثة أثارت موجة من القلق بين الأهالي، الذين أصبحوا يخشون على مصير أبنائهم وأحبائهم.

وتشير التقارير إلى أن عمليات الخطف لا تقتصر على المدنيين العاديين، بل تشمل أيضاً نشطاء المجتمع المدني والعاملين في المنظمات الإنسانية. في أغسطس 2025، تعرض عدد من العاملين في القطاع الإغاثي من أبناء الطائفة الدرزية للخطف في ريف درعا الشرقي بعد قدومهم من مدينة جرمانا بريف دمشق. تم إطلاق سراحهم بعد أيام من الاحتجاز، لكن مصيرهم خلال تلك الفترة ظل مجهولاً، مما زاد من مخاوف الأهالي.

تختلف دوافع عمليات الخطف في درعا، فمنها ما هو بدافع الحصول على فدية مالية، ومنها ما هو بدافع الانتقام أو تصفية الحسابات. في بعض الحالات، يتم اختطاف الأشخاص بسبب انتمائهم السياسي أو الطائفي، مما يعكس التوترات الطائفية والقبلية السائدة في المنطقة. هذه العمليات تترك آثاراً نفسية عميقة على الضحايا وأسرهم، وتزيد من معاناتهم في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها.

تواجه السلطات المحلية تحديات كبيرة في مواجهة هذه الظاهرة. ورغم الجهود المبذولة، إلا أن عمليات الخطف لا تزال مستمرة، مما يثير تساؤلات حول فعالية الإجراءات الأمنية المتخذة. في بعض الحالات، يتم الإفراج عن المخطوفين بعد دفع فدية مالية، لكن هذا لا يعني أن الخاطفين توقفوا عن نشاطاتهم، بل على العكس، قد يشجعهم ذلك على تنفيذ المزيد من العمليات.

من جهة أخرى، يعبر الأهالي عن استيائهم من الوضع الأمني المتدهور، مطالبين بتوفير الحماية لأبنائهم ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم. في إحدى القرى، تجمع الأهالي في ساحة البلدة، رافعين لافتات تطالب بوقف عمليات الخطف، ومؤكدين على ضرورة استعادة الأمن والاستقرار في المنطقة.

في ظل هذه الظروف، يبقى الأمل في تحسن الوضع الأمني قائمًا، لكن ذلك يتطلب تكاتف الجهود بين السلطات المحلية والمجتمع المدني. يجب أن تكون هناك استجابة فعالة وسريعة لحالات الخطف، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا وأسرهم. كما ينبغي تعزيز التعاون بين مختلف الجهات المعنية لضمان تحقيق العدالة ومحاسبة الجناة.

ما يحدث في درعا ليس مجرد حالات فردية، بل هو مؤشر على أزمة إنسانية متجددة تتطلب تدخلاً. يجب أن يكون هناك اهتمام أكبر من قبل المجتمع الدولي والمجتمع المحلي لمعالجة هذه الظاهرة، وتقديم الدعم اللازم للضحايا وأسرهم. فالخطف ليس مجرد جريمة، بل هو انتهاك لحقوق الإنسان، ويجب أن يكون هناك وقفة جادة لوضع حد لهذه المأساة.

- Advertisement -

- Advertisement -