لكل السوريين

اتفاقية أمنية بين الحكومة الانتقالية وإسرائيل.. أي مستقبل ينتظر علاقة دمشق بتل أبيب

تشير معطيات متزايدة خلال الأيام الأخيرة إلى وجود مساعٍ جدية لعقد اتفاقية أمنية بين الحكومة الانتقالية في سوريا وإسرائيل، من المتوقع أن يجري الإعلان عنها في حال إنجازها، خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في الخامس والعشرين من أيلول/ سبتمبر الجاري.

وأكد رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع علناً في دمشق بوقت سابق، أثناء لقائه عدداً من الصحافيين العرب، أن دمشق تدرس توقيع اتفاقية تقتصر على الملفات الأمنية فقط، موضحاً أن الفرصة باتت قوية لتحقيق هذا التفاهم.

وفي السياق ذاته، أجرى المبعوث الأميركي توم باراك زيارة إلى تل أبيب التقى خلالها القيادة الإسرائيلية، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن تدفع باتجاه إتمام الاتفاق، بما يشمل انعكاساته على لبنان والمنطقة عموماً.

ورغم تكثيف إسرائيل لغاراتها الجوية خلال الأشهر الماضية على الأراضي السورية، وكان أحدثها قبل أيام في محيط مدينتي حمص واللاذقية، إلا أن الأحاديث عن الاتفاق لم تتوقف، بل أخذت زخماً متصاعداً.

ويعكس هذا التوازي بين القصف والتفاوض طبيعة العلاقات السورية الإسرائيلية التي لطالما اتسمت بالازدواجية بين العداء الميداني والبحث عن ترتيبات أمنية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار.

وشدد الشرع على أن التفاهم المطروح لا يشكل معاهدة سلام شاملة، مذكّراً بأن مرتفعات الجولان ما تزال محتلة، لكنه في الوقت ذاته لم يغلق الباب أمام احتمالات مستقبلية، مؤكداً أنه لن يتردد في القبول بأي سلام يخدم مصالح سوريا والمنطقة، وبهذا المعنى، فإن الاتفاقية المنتظرة تبدو أقرب إلى ترتيبات مؤقتة لإدارة التوتر منها إلى حل سياسي نهائي.

وتتعلق القضية الأبرز المطروحة للنقاش بين الجانبين باتفاق فصل القوات الموقع عام 1974، إذ ترغب دمشق في إعادة التأكيد على تلك الاتفاقية وضمان انسحاب إسرائيل إلى الخطوط المحددة حينها، باعتبار ذلك اعترافاً عملياً بسيادتها.

أما تل أبيب فتميل إلى فرض إجراءات إضافية لنزع السلاح، وتشترط أن تكون العودة تدريجية وعلى مراحل تتيح لها التحقق من التزام دمشق، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن إسرائيل قد تطالب بالاحتفاظ بجزء من المناطق، مثل جبل الشيخ، لفترة زمنية محددة كإجراء أمني مؤقت، وهو ما يضع الشرع أمام معادلة معقدة بين تعزيز شرعيته داخلياً وبين عدم الظهور بمظهر المفرط بالأرض والسيادة.

أما الملف الثاني فيرتبط بالوضع في السويداء والطائفة الدرزية، وهو أكثر حساسية من الناحية السياسية والاجتماعية، إذ تسعى إسرائيل للحفاظ على روابطها التقليدية مع الدروز داخل أراضيها وخارجها، وضمان استمرار نفوذها في مواجهة كل من دمشق وأنقرة.

في المقابل، يدرك الشرع أن أي تنازل في هذا المجال قد يُفسَّر على أنه تفريط بالسيادة الوطنية، سواء كان ذلك عبر السماح بممر إنساني تديره إسرائيل أو قبول تدخلها المباشر في توازن القوى المحلي، ومن هنا تبرز الحاجة إلى صيغ دقيقة تقوم على توازن مدروس في الأخذ والعطاء، تحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف.

تفوق عسكري يقوي تل أبيب

وتدخل إسرائيل المفاوضات متسلحة بتفوقها العسكري وقدرتها على فرض شروط ميدانية بغطاء أميركي، لكنها تدرك أيضاً أن استقرار النظام السوري قد يخدم مصالحها على المدى الطويل، سواء لجهة تقليص النفوذ التركي أو احتواء التوتر مع لبنان.

أما الشرع فيستفيد من دعم متزايد من المجتمع الدولي، ويطرح نفسه كزعيم منفتح على فكرة السلام المشروط، مستفيداً من خطابه الإيجابي تجاه لبنان الذي يركز على احترام السيادة المتبادلة، بما يترك انطباعاً بأن نجاح التفاهم السوري الإسرائيلي سينعكس مباشرة على الوضع اللبناني أيضاً.

الدور الأميركي حاضر بقوة في هذا المسار. فالإدارة الأميركية رفعت منسوب تدخلها، ووجّهت رسائل مباشرة إلى إسرائيل تطالبها بخطوات ملموسة، معتبرة أن استقرار حكم الشرع يخدم مصالحها الاستراتيجية.

وتسعى واشنطن أيضاً إلى تسويق الاتفاق كإنجاز سياسي للرئيس ترمب، وتربطه بالملف اللبناني، خصوصاً مع النقاشات الجارية حول نزع سلاح “حزب الله”. ويُعتقد أن الولايات المتحدة قد تضغط على إسرائيل لتقديم تنازل ولو محدود، مثل الانسحاب من بعض المواقع في جنوب لبنان أو تخفيف وتيرة عملياتها العسكرية هناك.

رغم هذه الأجواء، فإن التطورات على جبهة غزة قد تعقد المشهد الإقليمي، أي هجوم واسع هناك سيؤثر على مسار المفاوضات، خصوصاً أن الربط بين الساحتين السورية واللبنانية من جهة، والصراع المستمر في غزة من جهة أخرى، لا يزال قائماً في ذهنية صناع القرار الإقليميين.

ويخشى مراقبون من أن تمسك إسرائيل بخيار الهيمنة العسكرية فقط قد يقوّض مصالحها على المدى الطويل، بينما الدفع نحو ترتيبات مرحلية مع دمشق وبيروت قد يمنحها فرصة لتعزيز موقعها السياسي والدبلوماسي.

في المحصلة، تبدو الاتفاقية الأمنية المطروحة إن أبصرت النور خطوة لإدارة الصراع لا لإنهائه. فهي ترسم خطوط تماس جديدة وتفتح باباً لاحتمالات تعاون أوسع في المستقبل، لكنها لا تحسم الخلافات الجوهرية حول الأراضي المحتلة أو مستقبل الجولان.

ومع ذلك، فإن مجرد الوصول إلى هذه المرحلة يعكس تحولاً في توازنات المنطقة، ويؤشر إلى أن الطرفين، ومعهما واشنطن، يسعون إلى صياغة معادلة جديدة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار في المشرق المضطرب.

- Advertisement -

- Advertisement -