السوري/ حلب
في ريف حلب الشرقي، ومع أول خيوط الفجر، تستيقظ النساء للذهاب إلى الحقول في القرى الصغيرة مثل السفيرة، الخفسة، دير حافر، وغيرها، تبدأ حركة النساء بصمتٍ يومي يعرفه الجميع. لا حاجة للمنبّه، فالحاجة وحدها كفيلة بأن توقظ الجسد، وتشعل الرغبة في السعي وراء لقمة العيش.
في موسم الخضروات الصيفية، تصبح الأرض أشبه بمصنع كبير مفتوح من الفجر حتى ساعات الظهر الخيار، البندورة، الفليفلة، الكوسا، الباذنجان وغيرها، كلها تحتاج إلى عناية يومية، قطاف وتنظيف ونقل، وهي مهام تعتمد بشكل كبير على النساء. عشرات العاملات ينتشرن في الحقول كل صباح، يحملن سلالهن وأدواتهن، ويبدأن يوماً من العمل الشاق مقابل أجر زهيد لا يعكس حجم الجهد المبذول.
تجول “السوري” في ريف حلب الشرقي ونقل معاناة عدد من النساء؛ أم محمد، امرأة في منتصف الثلاثينات من بلدة السفيرة، هي واحدة من هؤلاء النساء. تقول وهي تجلس على حجر قرب ساقية ماء لتستريح: “أترك أطفالي الأربعة كل صباح وحدهم، أحياناً من دون فطور. زوجي مريض منذ ثلاث سنوات، وأنا من يصرف على البيت. أخرج من الساعة الرابعة فجراً، أقطع مسافة طويلة مشياً، وأبدأ العمل قبل أن تشرق الشمس. القطاف متعب، والانحناء لساعات يرهق الظهر، لكن لا بديل أمامي”.
أم محمد ليست الوحيدة التي تواجه هذه الظروف، فقصص كثيرة مشابهة تتكرر في القرى المجاورة، ومنها قصة ربا، فتاة في العشرين من عمرها من قرية الخفسة، اضطرت لترك المدرسة في الصف الحادي عشر بسبب صعوبة الظروف الاقتصادية. تقول بحزن: “كنت أحب المدرسة كثيراً، وكنت أحلم أن أصبح معلمة. لكن أبي لم يعد يستطيع دفع نفقات الدراسة، فقررت أن أساعدهم بالعمل في الحقول. كل يوم أخرج للعمل وأعود مرهقة، لكنه ثمن يجب دفعه كي تستمر الحياة”.
النساء العاملات في الزراعة لا يعترضن على طبيعة العمل بقدر ما يشتكين من انخفاض الأجور. مقابل يوم عمل طويل يمتد لأكثر من أربع ساعات، لا يتقاضين سوى خمسة عشر ألف إلى عشرين ألف ليرة سورية، وهو مبلغ بالكاد يغطي أساسيات الطعام ليوم واحد. وتضيف أم محمد نحن نعمل كما لو أننا آلات، والحر شديد، والأرض قاسية، ثم نتلقى أجراً لا يكفي حتى لشراء لحم أو فواكه لكن لا خيار لنا، وكلنا أمل أن تتحسن الأجور يوماً ما”.
أبو فهد، أحد المزارعين الكبار في المنطقة، يقر بدور النساء الحيوي في الزراعة، ويشرح التحديات من وجهة نظره أيضاً: “بصراحة، النساء هني العمود الفقري له الزراعة بهالأيام. ما بقي في شباب مثل قبل، كثير من الرجال سافروا أو التحقوا بأعمال أخرى أو تعطلوا بسبب الحرب. اليد العاملة قليلة، والنساء هن اللي شايلين الحمل الأكبر”.
ويتابع: “أنا عندي ارض ازرعها خضار من عشر سنين، وما شفت موسم ينجح بدون مشاركة النساء. البنات والسيدات يشتغلوا بدقة وصبر، يتحملوا الشوب والتعب، وما يشتكوا. لو ما هالنسوان، كان الخضرة فسدت على الشجر، ما حدا يقطف، ولا يسقي، ولا ينقل. صحيح الأجور ضعيفة، بس نحنا كمزارعين كمان تحت ضغط السوق، الأسعار متقلبة، والتكاليف عالية. رغم هيك، أنا دايماً بحاول أزيد الأجرة لما يكون الوضع أفضل، لأنوا تعبهم ما ينقاس بالمال”.
وبين الحقول حيث تختلط رائحة التراب بالتعب والارهاق يصبح العمل في الزراعة جزءاً من حياة النساء في الريف، لا خياراً مؤقتاً. هؤلاء النسوة لا ينتظرن معجزات، بل يواصلن السير بخطى ثابتة، يحملن شمس الصيف على أكتافهن، ويزرعن الحياة رغم القسوة. كل يوم يمر عليهن كفصل جديد من رواية لا تزال تُكتب بالتعب، لكنها لا تخلو من الإصرار.