منذ انطلاق ملامحها الأولى عام 2012، شكّلت تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا نقطة تحول في المسار السياسي والاجتماعي السوري، إذ برزت كخيار عملي أمام شعوب المنطقة التي أنهكها الاستبداد وتداعيات الصراع المستمر منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية عام 2011.
فقد اختارت هذه الشعوب، بما تضمّه من كرد وعرب وسريان آشوريين وأرمن وتركمان، أن تبني نموذجاً ديمقراطياً ينبع من إرادة الناس أنفسهم، بعيداً عن الوصاية الخارجية والعقلية المركزية التي حكمت سوريا لعقود طويلة.
ولعلّ ما يجعل هذا المشروع مختلفاً عن غيره هو أنه وُلد في قلب الحرب، وواجه منذ لحظاته الأولى تحديات عسكرية وأمنية وسياسية بالغة القسوة، ومع ذلك أثبت أنه ليس مجرد رد فعل مؤقت، بل خيار استراتيجي قابل للحياة والتطور.
لقد جاءت بدايات المشروع في مدينة كوباني، حيث جرى الإعلان عن أولى ملامح الإدارة في 19 تموز 2012، بجهود مشتركة من الكرد والمكونات المتعايشة معهم، وسرعان ما تبلورت هذه الخطوة في اتفاقات لاحقة، مثل اتفاق أيلول 2013 بين مجلس شعب روج آفا والمجلس الوطني الكردي، الذي مهّد لتأسيس الإدارة المرحلية.
ورغم الانسحابات السياسية ومحاولات إفشال المشروع، مضت الشعوب قدماً، ليُعلن في كانون الثاني 2014 عن تأسيس الإدارة الذاتية الديمقراطية في الجزيرة وكوباني وعفرين، وهو ما مثّل بداية حقيقية لتجربة غير مسبوقة في التاريخ السوري المعاصر.
منذ تلك اللحظة، وُضعت الإدارة الناشئة في مواجهة مباشرة مع أخطر التنظيمات المتطرفة، بدءاً من جبهة النصرة ووصولاً إلى تنظيم “داعش” الذي حاول السيطرة على كوباني وتحويلها إلى قاعدة استراتيجية.
إلا أن صمود الأهالي ووحدات حماية الشعب والمرأة، وما تلاها من تأسيس قوات سوريا الديمقراطية، غيّر مسار المعركة ليس في سوريا وحدها، بل على مستوى العالم، حيث شكّل الانتصار في كوباني في كانون الثاني 2015 أول هزيمة كبرى لداعش، وبداية النهاية لمشروعه التوسعي.
هذا الانتصار فتح الطريق أمام تحرير مدن كبرى مثل منبج عام 2016 والرقة عام 2017، وهو ما عزّز شرعية الإدارة الذاتية ورسّخ حضورها كسلطة سياسية وعسكرية قادرة على حماية الناس وإدارة شؤونهم.
ومع اتساع رقعة التحرير، لم تكتفِ الإدارة الذاتية بإدارة المناطق المحررة أمنياً، بل شرعت في بناء مؤسسات مدنية ديمقراطية تمثّل جميع المكونات، وتضمن لهم المشاركة في صنع القرار، وقد توسعت لتشمل سبع مناطق رئيسية، قبل أن يتم الإعلان في عام 2018 عن تأسيس الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بهيكل مؤسساتي أكثر تطوراً يتضمن مجلساً عاماً ومجلساً تنفيذياً ومجلس عدالة، بما يعكس إرادة تنظيمية متقدمة قادرة على الاستجابة لمتطلبات إدارة إقليم واسع ومعقّد.
ويستند هذا النموذج إلى فلسفة الأمة الديمقراطية التي طرحها عبد الله أوجلان، تميّز بقدرته على تجاوز الانقسامات القومية والدينية التي مزّقت سوريا لعقود، فبدلاً من بناء دولة قومية جديدة على أنقاض النظام القديم، تبنّت الإدارة رؤية تعددية لا مركزية تقوم على الاعتراف المتبادل بين المكونات واحترام خصوصياتها الثقافية والسياسية، وهو ما جعلها أقرب إلى الواقع السوري المتعدد والمتنوع.
ورغم كل التحديات بقيت الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا متمسكة بخيار التمثيل العادل والتعايش السلمي، رافضة منطق الإقصاء والهيمنة.
لكنّ هذا المشروع لم يواجه فقط تحديات داخلية، بل تعرّض أيضاً لهجمات مباشرة من دولة الاحتلال التركي التي رأت فيه تهديداً استراتيجياً لطموحاتها التوسعية.
فقد شنت تركيا عدواناً على عفرين عام 2018 ثم على سري كانيه وتل أبيض عام 2019، كما صعّدت منذ 2022 هجماتها الجوية والصاروخية ضد البنية التحتية في شمال وشرق سوريا، مستهدفة محطات المياه والكهرباء والنفط والأفران ومراكز الخدمات الأساسية.
وكان الهدف من ذلك واضحاً: إنهاك المجتمع وضرب قدرته على الاستمرار في دعم مشروع الإدارة. ومع ذلك، لم تنجح هذه الاستراتيجية في كسر إرادة الشعوب، بل زادتها تمسكاً بمشروعها ورغبة في الدفاع عنه باعتباره الضمانة الوحيدة لكرامتهم ومستقبلهم.
إن الاعتراف الدولي المتزايد بالإدارة الذاتية يشكّل مؤشراً إضافياً على نجاح التجربة. ففي عام 2021 أعلن البرلمان الكتالوني اعترافه الرسمي بالإدارة، وهو اعتراف سياسي ومعنوي مهم يعكس مدى حضور القضية على الساحة الدولية. ولم يأتِ هذا الاعتراف من فراغ، بل نتيجة تضحيات جسيمة قدّمتها قوات سوريا الديمقراطية وشعوب شمال وشرق سوريا في مواجهة الإرهاب، وكذلك بفضل النضال السياسي والدبلوماسي الذي سعت من خلاله الإدارة لإيصال صوتها إلى المجتمع الدولي.
أحد أبرز إنجازات الإدارة كان المصادقة على العقد الاجتماعي الجديد في كانون الأول 2023، وهو بمثابة دستور مدني يكرّس مبادئ العدالة والمساواة والتعددية عبر أكثر من مئة مادة.
هذا العقد الاجتماعي مثّل خطوة نوعية نحو بناء مؤسسات ديمقراطية مستقرة، وعكس التزام الإدارة بخيار الحكم التشاركي بعيداً عن المركزية والإقصاء. ومع سقوط نظام دمشق في كانون الأول 2024، اتضح أكثر من أي وقت مضى أن الإدارة الذاتية كانت المشروع الأكثر واقعية واستمرارية مقارنة ببقية الأطراف السورية التي فشلت في بناء بدائل مقنعة.
وفي الوقت الذي غرقت فيه سوريا في الفوضى إثر تمدد هيئة تحرير الشام ووصولها إلى دمشق خلال أيام، واصل مشروع الإدارة الذاتية صموده، محققاً قدراً من الاستقرار في مناطقه رغم الهجمات التركية المتكررة ومحاولات استغلال الفراغ السياسي.
كما أثبتت قوات سوريا الديمقراطية أنها قوة منظمة وفاعلة قادرة على حماية المجتمع والتفاوض سياسياً مع الحكومة الانتقالية في دمشق، رغم المماطلة المستمرة من الأخيرة في الالتزام بالاتفاقات الموقعة.
إن ما يجعل تجربة الإدارة الذاتية ذات أهمية خاصة اليوم هو أنها لم تعد محصورة بشمال وشرق سوريا، بل باتت تلهم مكونات أخرى داخل سوريا، كما يظهر في الحراك المتصاعد في السويداء والساحل السوري.
فقد أدركت قطاعات واسعة من السوريين أن الحكم المركزي الاستبدادي لم يعد قادراً على الاستمرار، وأن البديل يكمن في نموذج ديمقراطي لا مركزي يضمن حقوق الجميع ويتيح لهم المشاركة الفعلية في تقرير مصيرهم.
وبالنظر إلى المسار الذي قطعته الإدارة الذاتية منذ 2012 وحتى اليوم، يتضح أنها تمثل مشروعاً سياسياً متكاملاً استطاع أن يثبت أهليته في أصعب الظروف. فهي لم تكن مجرد إدارة مؤقتة أو سلطة أمر واقع، بل تجسيد لإرادة شعبية حقيقية تسعى إلى بناء سوريا جديدة تقوم على العدالة والتعددية والحرية.
وفي ظل استمرار الفوضى وانسداد الأفق السياسي على المستوى المركزي، يبدو أن هذا المشروع يقدّم نفسه أكثر فأكثر كنموذج بديل واقعي للحكم في سوريا، نموذج أثبت صلابته في الحرب، وفعاليته في الإدارة، وأهليته ليكون أساساً لبناء وطن ديمقراطي ينهي عقود الاستبداد ويمنح السوريين أخيراً فرصة لحياة تقوم على الكرامة والمساواة.