لطفي توفيق
تشير بعض تحليلات المراقبين المتخصصين إلى أن استئناف الصراع بين إسرائيل وإيران لا يزال متوقعاً في المستقبل القريب، فوقف إطلاق النار الأخير الذي تم بينهما، شكّل “هدنة مؤقتة وهشة” وليس سلاماً دائماً.
وتأتي هذه التحليلات استناداً إلى تزايد احتمالات وقوع مواجهات عسكرية قريبة بين الجانبين، ولكن ليس بالضرورة أن تكون حرباً شاملة.
وحسب مصادر إسرائيلية، هناك خشية من أن برنامج طهران النووي لا يزال يشكّل عامل تهديد لبلادهم، ومن غير المستبعد أن تستأنف إيران ضرباتها رداً على أي محاولة إسرائيلية لتوجيه ضربات جديدة لمنشآتها النووية.
وبالمقابل، لا يبدو أن القوى الإقليمية والدولية تريد العودة إلى حرب شاملة في الوقت الحالي، وتحذّر الدول الغربية من التكلفة العالية لأي حرب مفتوحة بين إسرائيل وإيران، خصوصًا إذا توسّعت لتشمل وكلاء إقليميين، بما يضعف استقرار المنطقة، ويؤثر على التجارة الدولية، مما يدفع هذه القوى إلى بذل الضغوط الدبلوماسية، والعمل على احتواء الموقف وتجنّب التصعيد.
ويبدو أن اندلاع حرب شاملة أقل احتمالاً في الأجل القريب، حيث ماتزال حسابات التكلفة السياسية والاقتصادية الدولية، مهيمنة على قرار هذه الحرب.
دوافع التصعيد
توجد دوافع كبيرة لدى تل أبيب وطهران لتصعيد الوضع بينهما لأسباب داخلية وخارجية،
ففي إسرائيل يلجأ رئيس وزرائها إلى التصعيد مع إيران لتحويل الأنظار عن الأزمات الداخلية، فعندما يواجه ضغوطاً داخلية مثل الاحتجاجات، وتراجع شعبيته يصبح التصعيد الخارجي وسيلته لتحويل الاهتمام الوطني إلى “الخطر الخارجي” وتوحيد الجبهة الداخلية خلف قيادته، والحفاظ على دعم التيارات اليمينية المتشددة التي ترى أي خفض للتوتر تنازلاً عير مقبول.
إضافة إلى أن الأمن عامل مهم في الانتخابات الإسرائيلية، ولذلك يحاول نتنياهو تعزيز صورته كـ”حارس لإسرائيل” وهي الصورة التي تجعله مقبولاً لدى الناخب الإسرائيلي.
ومن جهته، يحرص النظام الإيراني على الظهور كزعيم لما يسمى بتيار المقاومة والتصدي، ويعمل على دعم وكلائه في المنطقة بكافة الوسائل.
فقد سارع الحرس الثوري الإيراني بتوعد إسرائيل بالرد على اغتيال القيادي في حزب الله علي هيثم الطبطبائي، وأكد أن “رداُ ساحقاً ينتظر المعتدي في الوقت المحدد”.
ووصف مقتل الطبطبائي بأنها “جريمة وحشية”، وأشار في بيان إلى أن “حق محور المقاومة وحزب الله اللبناني في الثأر لدماء المجاهدين محفوظ، وسيواجه المعتدي الإرهابي بردٍّ ساحق في الوقت المُحدد”.
جذور التصعيد
منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وجدت عداوة أيديولوجية بين النظام الإيراني وإسرائيل، تمثلت في دعم طهران لفصائل معادية لها مثل حزب الله والحوثيين ويعض الفصائل الفلسطينية والمجموعات المسلحة في العراق وسوريا، ونفّذت إسرائيل ضربات استخباراتية استهدفت شبكات نقل أسلحة وبنى تحتية إيرانية في سوريا والعراق على مدى سنوات، مما زاد التوترات تدريجياً لتصل إلى مواجهة مباشرة، حيث شنّت إسرائيل الشهر الماضي ضربات جوية استهدفت منشآت عسكرية ونووية في داخل إيران، وردت إيران بإطلاق مجموعات من الصواريخ والطائرات المسيّرة على أهداف داخل إسرائيل، واخترقت دفاعاتها، وتزامنت هذه الهجمات مع هجمات من قبل حزب الله والحوثيين.
ووجه الجيش الأميركي ضربات محددة ضد مواقع نووية إيرانية، مما أضاف بعداُ دولياً للنزاع. ثم أدّت وساطات دولية إلى وقف إطلاق النار بعد أيّام من المواجهات العلنية التي تسببت بتقلبات في أسواق الطاقة وبمخاطر على خطوط الملاحة وما تبعها من ارتفاع في أسعار النفط والتأمين البحري، مما أدى إلى التوتر بين الحلفاء الإقليميين والدوليين، وتعطيل المحادثات النووية التي كانت متوقعة لبن طهران وواشنطن.
سيناريوهات محتملة
تحوّلت المواجهات بين إسرائيل وإيران خلال العامين الماضيين، من صراع بالوكالة عبر دعم إيران لوكلائها في المنطقة، إلى تبادل للضربات الجوية والصاروخية بين الدولتين، حيث بلغت ذروتها في شهر حزيران الماضي، وما رافقها من تدخل أميركي محدود، قبل أن تدخل هدنة هشة بين البلدين قيد التنفيذ.
ويرى مراقبون أن استمرار التوترات المتقطعة والاشتباكات المحدودة التي حافظ الجانبان عليها لسنوات طويلة، قد تكون السيناريو المحتمل دون السعي للمواجهة الشاملة.
وهذا يفترض البحث عن فرص تسوية تفاوضية عبر وساطات دولية، واستئناف المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران، وتفعيل قنوات دبلوماسية سرية ومباشرة بين البلدين بما يؤدي إلى تهدئة مؤقتة، وإيجاد آليات شفافة لتقليل الحوادث العرضية، ودعم الوساطات الإقليمية والدولية التي لديها تجارب وساطة يمكن التعويل عليها لتفادي سوء التقدير ووقوع الصدامات.
ويبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً لدى معظم المراقبين، هو استمرار التصعيد الذي قد يقود إلى حرب إقليمية تشمل جبهات متعددة، بما يهدد بمخاطر يصعب التنبؤ بحجمها وخطورتها على المنطقة والعالم.