دمشق/ مرجانة إسماعيل
يشبه حي السومرية جرحاً في جسد العاصمة دمشق، تتداخل فيه حكايات من الماضي مع مآسي الحاضر. هنا، كانت تقف ذات يوم مزارع خضراء لأهالي معضمية الشام، أصبحت اليوم مسرحاً لأزمة إنسانية معقدة تختزل في طياتها صراعات الأرض والهوية والعدالة الانتقالية.
تقف أم علي (65 عاماً) أمام منزلها المتواضع الذي سكنته مع عائلتها منذ ثلاثين عاماً. تقول بصوت مرتجف: “لم نسرق هذه الأرض، بل أعطيت لزوجي كعقيد في الجيش. الآن وبعد رحيل النظام، صرنا ندفع ثمن ولاء لم نختره”. عيناها تتابعان عناصر الأمن الذين يضعون علامات حمراء على الجدران المجاورة.
في الجانب الآخر من الحي، يجتمع مجموعة من أهالي معضمية الشام الذين استعادوا جزءاً من أراضيهم المصادرة. محمد الحسن (52 عاماً) يقول وهو يشير إلى الأراضي الواسعة: “هذه مزارع آبائنا وأجدادنا. صودرت بقرارات جائرة ولم نرَ منها أي تعويض. اليوم نطالب فقط بما هو حق لنا”.
القصة تمتد جذورها إلى عقود مضت. ففي سبعينيات القرن الماضي، بدأت عملية منهجية لمصادرة الأراضي من أهالي معضمية الشام لصالح مشاريع إسكانية عسكرية. وفق وثائق محلية، تمت مصادرة أكثر من 85% من أراضي البلدة عبر مراسيم استثنائية قضت على النشاط الزراعي الذي كان يمثل مصدر رزق رئيسياً للسكان.
المحامي رامي الداوود، المتخصص في قضايا الأراضي، يشرح: “المشكلة ليست في استعادة الحقوق، بل في طريقة معالجتها. يجب أن تكون هناك خطة شاملة توازن بين حقوق الملاك الأصليين وحقوق السكان الحاليين الذين اشتروا أو استأجروا هذه المساكن بحسن نية”.
في مبنى محافظة دمشق، يعكف موظفون على دراسة الملفات المتعلقة بأزمة السومرية. مصدر في المحافظة فضل عدم الكشف عن اسمه يقول: “نعمل على إيجاد حلول وسط. بعض المقترحات تشمل منح تعويضات مالية أو سكن بديل، لكن الإمكانيات المالية محدودة جداً”.
تتجاوز الأزمة الإنسانية الجانب القانوني. فمنظمة الصحة العالمية حذرت من تداعيات تهجير السكان في ظل الظروف المناخية القاسية وعدم توفر مراكز إيواء مناسبة. كما أشارت تقارير محلية إلى تزايد الأمراض النفسية بين السكان بسبب الضغط المستمر وعدم اليقين بمستقبلهم.
في الأحياء المجاورة، تحاول جمعيات أهلية التخفيف من حدة الأزمة. تقود سمر الحسيني مبادرة لتوفير مساعدات طارئة للأسر المتضررة. تقول: “نحن لا نأخذ طرفاً ضد آخر. مهمتنا إنسانية بحتة. نقدم الغذاء والدواء والمسكن المؤقت لمن يحتاج، بغض النظر عن خلفياتهم أو انتماءاتهم”.
الخبير الاجتماعي د. نبيل قاسم يحذر من تداعيات نفسية بعيدة المدى: “ما يحدث في السومرية ليس مجرد نزاع على أراضي، بل هو صدمة جماعية تعيد إحياء ذكريات المظالم التاريخية. معالجة هذه الجروح تتطلب أكثر من حلول تقنية، بل تحتاج إلى مصالحة حقيقية تعترف بمعاناة جميع الأطراف”.
بينما تستمر المفاوضات، يبقى سكان السومرية معلقين بين ماضٍ مؤلم وحاضر غامض. قصتهم ليست مجرد قضية عقارية، بل هي مرآة تعكس تعقيدات المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا، حيث تختلط أحقاد الماضي بتحديات الحاضر وآمال المستقبل.