لكل السوريين

المصارف تفقد الثقة!

عبد الكريم البليخ

الأزمة المصرفية في سوريا ليست أرقاماً جامدة ولا حسابات مالية معقدة. هي، في جوهرها، أزمة ثقة. أزمة مجتمع فقد إيمانه بأن مؤسساته قادرة على حماية مدخراته، وأزمة دولة لم تعد قادرة على طمأنة مواطنيها بأن المصارف ـ تلك المباني الزجاجية الخرسانية التي تصطف في قلب المدن ـ ما زالت تمثل ملاذاً آمناً.

الثقة هنا ليست مفهوماً اقتصادياً مجرداً. إنها شعور يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية: حين يقف المواطن ساعات في طابور ليحصل على مبلغ لا يكفي ثمن جرة غاز، أو حين يعجز تاجر عن تحويل قيمة بضاعته لشريكه في الخارج، أو حين يُمنع مريض من الدخول إلى المستشفى لأن أمواله محجوزة في حساب لا يمكن الوصول إليه. المال ليس أوراقاً مطبوعة، بل رمز للأمان والكرامة والمستقبل. وحين تهتز الثقة بالمصارف، ينهار هذا الرمز، ويغدو الاقتصاد مسرحاً عبثياً والمواطن كائناً هشاً محصوراً بين صراف آلي معطّل وموظف بيروقراطي مرتبك.

الحالة العامة للمصارف تكشف المفارقة. تلك الواجهات التي بُنيت في السبعينيات كرمز للحداثة صارت اليوم مرايا متشققة لا تعكس سوى القلق. المباني الصارمة، الطوابير الممتدة، الأجهزة القديمة، كلها علامات على نظام يبدو متماسكاً من الخارج لكنه هشّ من الداخل. المصرف الذي كان يفترض أن يبعث الاطمئنان صار يثير الريبة.

التاريخ لم يكن كذلك. في عقود مضت، لعبت المصارف العامة دوراً رئيسياً في تمويل الزراعة والصناعة، وكانت تمثل ذراعاً قوية للدولة وضمانة نسبية للناس. لكن البيروقراطية والفساد أكلت من رصيدها، وجاءت سنوات الحرب والعقوبات لتفرغها من معناها. تحوّلت إلى مجرد قنوات لصرف الرواتب أو سحب مبالغ يومية محدودة، بينما تمددت شركات الصرافة كبديل غير رسمي.

هنا تصبح الثقة مسألة اجتماعية ونفسية قبل أن تكون مالية. المواطن لا يثق بالمصرف لأنه لا يثق بالدولة، والتاجر لا يضع أمواله لأنه يخشى التعطيل والقيود، والموظف يرى في المصرف عبئاً لا خدمة. دائرة مفرغة تبدأ من انعدام الثقة وتنتهي به: هروب الودائع يؤدي إلى ضعف السيولة، وضعف السيولة يولد الطوابير والغضب، والغضب يُعمّق انعدام الثقة.

القصص اليومية تختصر الأزمة: رجل يزور المصرف يومياً ليسحب ما يكفي بالكاد لدواء، تاجر يوقع عقداً ثم يعجز عن التحويل، مريض ينتظر عملية وحسابه مقيّد. كلها تفاصيل تُخلّف ندوباً في الذاكرة الجمعية وتجعل المصرف رمزاً للخذلان لا للحداثة.

الأزمة ليست تقنية فقط. إنها أزمة هوية اقتصادية. المصارف في سوريا مرتبطة دوماً بالقرار السياسي، والمصرف المركزي لا يعمل كمؤسسة مستقلة بقدر ما يترجم تعليمات عليا. غياب البنية التقنية الحديثة، وابتعاد الكفاءات، وغياب الشفافية، كلها عوامل تجعل من أي محاولة إصلاح مجرد مسكّن مؤقت.

استعادة الثقة تحتاج إلى أكثر من قرارات فوقية. تحتاج إلى وضوح في السياسات، إلى تدريب حديث وكفاءات جديدة، إلى أنظمة مصرفية رقمية تواكب العصر. قبل ذلك كله، تحتاج إلى خطاب صادق يعترف بالمشكلات بدلاً من إنكارها، وإلى مصارف بواجهات شفافة بالمعنى الأخلاقي لا بالزجاج فقط.

المصارف السورية اليوم عند مفترق طرق. إما أن تبقى مباني رمادية خاوية، طوابير متعبة، وأجهزة تئنّ بأصوات ميكانيكية، أو أن تتحوّل إلى فضاء جديد يستعيد معنى الثقة. فالمصرف، في النهاية، ليس خزانة نقود، بل مكان يودع فيه المواطن مستقبله. وإذا شعر أنَّ هذا المكان غير آمن، فإن شعور انعدام الأمان سيتسرب إلى كل تفاصيل حياته.

- Advertisement -

- Advertisement -