لكل السوريين

الحرف اليدوية في الرقة وريفها… إرث متوارث يواجه خطر الاندثار

الرقة/ حسن الشيخ

منذ قرون طويلة، شكّلت الحرف اليدوية في الرقة وريفها جزءاً أساسياً من هوية المكان وثقافته الشعبية، حتى غدت أكثر من مجرد وسيلة للعيش، لتصبح تعبيراً عن علاقة الإنسان بأرضه وبيئته، وعن ذوقه وإبداعه الفني. هذه الحرف التي ولدت في حضن الريف والبادية، اعتمدت على الموارد المحلية من صوف الأغنام، جلود الماشية، الطين الطبيعي، والأعشاب الملونة، لتنتج فناً مادياً يحمل في طياته حكايات أجيال متعاقبة.

إرث متجذر في حياة الناس

لم تكن الحرف اليدوية في الرقة مجرد نشاط اقتصادي هامشي، بل كانت مرتبطة بحياة الناس اليومية. السجاد اليدوي، على سبيل المثال، لم يكن مجرد غطاء للأرض، بل كان لوحة تروي قصة المكان. الألوان الحمراء والبنية والخضراء التي تنسجها النساء لم تكن عشوائية، بل مستوحاة من الطبيعة المحيطة: دم الغزال، خضرة الربيع، زرقة النهر. في كل قطعة سجاد، يمكن للقارئ أن يقرأ لغة بصرية خاصة تعبّر عن البيئة والوجدان الشعبي.

أما غزل الصوف، فكان عملية جماعية تتشارك فيها النساء في البيوت والسهول، حيث تُغزل خيوط الصوف على المغازل اليدوية، ثم تُحوك لتصبح أغطية وملابس تحمي من برد الشتاء. كان لكل بيت تقريباً ماشيته الخاصة، ما جعل الصوف مادة متوفرة، وللغزل مكانة راسخة في دورة الحياة الريفية.

الفخار بدوره كان جزءاً لا يتجزأ من حياة القرى. الأواني الفخارية صنعت لحفظ الماء والطعام، لكنها في الوقت نفسه حملت أشكالاً وزخارف هندسية أو نباتية، تعكس حساً فنياً متوارثاً. ومع مرور الزمن، اكتسب الفخار في الرقة سمعة خاصة، إذ ارتبط بجودة الطين المستخرج من ضفاف الفرات.

أما دباغة الجلود فمثّلت حرفة أساسية ارتبطت بتربية الأغنام والأبقار. كانت تُصنّع منها الأحذية والحقائب وأدوات حفظ المؤن وحتى الدروع البسيطة. هذه الحرفة لم تكن مقتصرة على الرجال فحسب، بل شاركت فيها النساء في مراحل التنظيف والتنعيم والصباغة.

بعد اجتماعي وثقافي

إلى جانب قيمتها الاقتصادية، كانت الحرف اليدوية مجالاً لبناء العلاقات الاجتماعية. في القرى، كانت جلسات الحياكة أو غزل الصوف أشبه بمناسبات اجتماعية يتشارك فيها أفراد العائلة والجيران العمل والحديث. كان الأطفال يجلسون قرب أمهاتهم أو جداتهم ليتعلموا بالمشاهدة، فيتوارثون المهارة كما يتوارثون اللغة والعادات.

الحرف اليدوية أيضاً كانت وسيلة للتعبير عن الهوية المحلية. فلكل قرية أو عشيرة أنماطها الخاصة في الزخارف والألوان، بحيث يمكن تمييز قطعة سجاد أو إناء فخاري من خلال رموزه المميزة. هذه الرموز لم تكن جمالية فقط، بل تحمل أحياناً دلالات اجتماعية أو طقوسية، مثل أشكال الشمس والنجوم التي ترمز إلى الخصب والحياة.

التحديات الراهنة

لكن هذا الإرث العريق يواجه اليوم تحديات كبيرة تهدد استمراره. ارتفاع أسعار المواد الأولية كالصوف الطبيعي والأصباغ النباتية جعل تكلفة الإنتاج مرتفعة مقارنة بالمنتجات الصناعية المستوردة. المستهلك المحلي بات يفضل شراء السلع الرخيصة الجاهزة، ما قلل من الإقبال على المنتجات التقليدية.

إضافة إلى ذلك، فإن هجرة الشباب نحو المدن أو خارج البلاد سعياً وراء فرص عمل أسرع وأكثر دخلاً، أدت إلى تراجع الاهتمام بتعلم الحرف اليدوية. الكثير من الورش الصغيرة التي كانت قائمة في القرى أغلقت أبوابها، وبعضها تحول إلى أنشطة أخرى أكثر ربحية.

ولم تقف الحرب وما رافقها من نزوح عند حدود تهديد الإنسان فقط، بل طالت أيضاً التراث المادي. فمع دمار البنى التحتية وتراجع الأسواق المحلية، فقد الكثير من الحرفيين أدواتهم وأسواق تصريف منتجاتهم.

مبادرات للحفاظ على التراث

رغم هذه الصعوبات، هناك جهود متزايدة لإحياء الحرف اليدوية في الرقة وريفها. جمعيات ثقافية محلية، إضافة إلى مجموعات من النساء المهجرات، بادرت إلى تنظيم ورش عمل تدريبية للأطفال واليافعين، لتعليمهم أساسيات الغزل والنسيج والفخار. كما أقيمت معارض صغيرة تعرض منتجات تقليدية، بهدف تشجيع الناس على شرائها ودعم استمرار الحرفيين.

وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً جديداً في توثيق هذه الحرف. مقاطع الفيديو التي تُظهر نساءً ينسجن السجاد أو رجالاً يصنعون الفخار باتت تنتشر بشكل واسع، لتعيد تسليط الضوء على التراث. هذا التوثيق الرقمي يساعد على حفظ المهارات حتى في حال تراجع الممارسة الفعلية لها.

نحو مستقبل مستدام

الخبراء يرون أن الحفاظ على الحرف اليدوية يحتاج إلى خطة متكاملة تبدأ من التعليم. إدخال هذه الحرف في المناهج الدراسية أو النشاطات المدرسية يمكن أن يعزز وعي الأطفال بقيمتها. كما أن دعم المجتمع المحلي عبر شراء المنتجات التقليدية يمنح الحرفيين دافعاً للاستمرار.

إضافة إلى ذلك، يمكن أن تتحول الحرف اليدوية إلى مورد اقتصادي وسياحي إذا جرى تنظيمها بشكل مؤسساتي. فالكثير من السياح يرغبون في اقتناء منتجات محلية أصيلة، وإذا ما أُنشئت أسواق ومراكز عرض مخصصة للحرف، يمكن أن تدر دخلاً اقتصادياً يعزز من مكانة هذه المهن.

الدعم الحكومي أو المؤسسي أيضاً له دور محوري. توفير قروض صغيرة للحرفيين، وتدريبهم على أساليب التسويق الحديثة، وربطهم بالأسواق خارج سوريا، كلها خطوات من شأنها أن تنقذ هذه الحرف من الانقراض.

خاتمة

الحرف اليدوية في الرقة وريفها ليست مجرد أنشطة اقتصادية تقليدية، بل هي سجل حي لذاكرة جماعية، تحمل رموز الهوية وثقافة المكان. اندثارها يعني فقدان جزء من شخصية المجتمع، بينما حمايتها تعني الحفاظ على تاريخ طويل من الإبداع الشعبي.

ولذلك فإن أي جهد في سبيل الحفاظ على هذه الحرف – سواء من خلال التعليم أو التوثيق أو الدعم المادي – يمثل استثماراً في هوية المجتمع ومستقبله. إنها وصية من الأجداد للأحفاد: “احفظوا إرثكم، فهو مرآة وجودكم”.

- Advertisement -

- Advertisement -