تقرير/ اـ ن
شهد الساحل السوري خلال العقود الماضية انتشاراً واسعاً للنباتات الطبية والعطرية بشكل عفوي، ممتداً من السواحل إلى السهول والهضاب وصولاً إلى الجبال العالية. هذه النباتات كانت تكفي حاجة السكان المحليين، إلا أنّ ازدياد عدد السكان وتنامي الاهتمام بالتداوي بالأعشاب أدّيا إلى جمع هذه النباتات بشكل عشوائي، ما جعل بعض أنواعها نادراً جداً وعلى وشك الانقراض، خاصة بعد تعرض مناطق انتشارها لحرائق متكررة خلال السنوات الأخيرة.
تتمتع غالبية النباتات الحراجية في الساحل بخواص طبية، سواء كانت شجرية أو شجيرية أو عشبية، ومن أبرز هذه الأنواع التي وثقتها المراجع وشوهدت بكثرة ضمن الحراج: الزعتر البري بنوعيه، خاصة عريض الورق المعروف محلياً باسم الزوبع، ويحتوي مادة التيمول المستخدمة في التركيبات الصيدلانية لعلاج السعال الديكي والالتهابات التنفسية والربو والحصى. إكليل الجبل يفيد في علاج أمراض الجهاز البولي والمعدة ويساعد على تفريغ الصفراء ويعالج الروماتيزم ويطرد الغازات. الطيون يحتوي مركبات مضادة للجراثيم والديدان الحلقية ويستعمل في علاج داء السكري وتحسين امتصاص الكالسيوم.
أما السماق يستخدم في صناعة الأدوية القابضة والمستحضرات المانعة للنزف كما يدخل في الدباغة. الختمية غنية بمادة الميوسيلاج وتستعمل كمادة ملطفة وملينة في حالات الإمساك والتهابات القصبات والرئة. وهناك نباتات أخرى مثل الغار النبيل، الزوفا، الآس، الميرمية، البابونج، الخبيزة، القراص، والعجرم، وجميعها ذات استخدامات علاجية متوارثة.
ازداد الاهتمام بهذه النباتات في السنوات الأخيرة لكونها رخيصة وذات مركبات فعالة وخواص علاجية طبيعية، إضافة إلى قلة تأثيراتها الجانبية مقارنة بالأدوية الكيميائية.
وتوجد أنواع متعددة من النباتات الطبية تحتوي على زيوت طيارة أو مركبات تتحلل إلى زيوت عطرية تستخدم في صناعة الروائح والصابون ومعاجين الأسنان، ومنها الورد والياسمين والزنبق والفل والسوسن والميرمية. كما تشمل نباتات التوابل الغذائية مثل حبة البركة والكمون والكزبرة، وتستعمل براعم القبار الزهرية في صناعة بعض المخللات والمقبلات.
هناك نباتات ذات تأثير مبيد للحشرات أو القوارض مثل عشب الطيون، الذي أظهر قدرة على تثبيط فطر الذبول المسبب لمشكلات جذور البندورة وفطر التبقع على أوراق القمح. كما توجد نباتات تستخدم كمشروبات غذائية أو طبية، إضافة إلى النباتات الرحيقية التي توفر قيمة غذائية ودوائية عالية.
من بين النباتات التي اكتسبت أهمية تجارية مؤخراً القبار، إذ يشهد إقبالاً كبيراً من التجار لتصديره إلى دول أوروبا والخليج العربي بفضل استخداماته المتعددة، ومنها تنشيط الكبد والدورة الدموية وتحفيز النشاط الجنسي. كما تستخدم جذوره في صنع لزقات طبية لعلاج الدسك والمفاصل، ويضيف الأهالي ثماره إلى المأكولات لمنحها نكهة مميزة، رغم أن قيمته العلاجية والغذائية محلياً ما زالت غير معروفة بشكل كاف.
ومن النباتات الأخرى ذات الاستخدامات الطبية المتنوعة نبات القريص، الذي يحتوي مواد فعالة سامة مهيجة للجلد ومدرة للبول ومنقية للدم. يستخدم خارجياً لوقف نزيف الأنف وعلاج الحروق الجلدية، وداخلياً لعلاج فقر الدم والنزيف الداخلي والقرحة المعوية وحصى الكلى ونزيف الرحم وتصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم. البابونج عشبة زهرية معروفة لعلاج الحميات والأمراض الراشحة. النعناع البري يعالج النزلات الصدرية والتهابات القصبات والأكزيما الجلدية، ويفيد الأمعاء الدقيقة والتهاب المعدة. نبتة القريرة ذات سوق بيضاء رفيعة وطعم مالح، يغلى نقيعها لعلاج التشنجات المعوية والمعدية. نبات العصما نبات نهري متسلق يؤكل طازجاً ويفيد في علاج عسر الهضم والإمساك وترطيب الأمعاء. نبات القليس يفيد في تقوية الدم وعلاج فقر الدم إذا تم تناوله طازجاً باعتدال. نبتة الخبيزة تستخدم طازجة لعلاج الجروح والدمامل وحالات الإمساك قبل الطبخ.
هذه النباتات، التي تشكّل ثروة طبيعية ودوائية للساحل السوري، تتعرض اليوم لخطر التراجع والانقراض نتيجة الحرائق والجمع الجائر، ما يهدد بفقدان مورد طبي وغذائي وبيئي مهم.