لكل السوريين

إعادة طباعة العملة السورية وخلفياته الاقتصادية والسياسية

أعلنت الحكومة الانتقالية في سوريا نيتها إصدار أوراق نقدية جديدة وحذف صفرين من العملة المحلية، خطوة أثارت جدلاً واسعاً على المستويين المحلي والدولي، وسط مخاوف من أن تؤدي إلى تعميق أزمة الثقة بالعملة الوطنية وتفاقم الضغوط الاقتصادية على المواطنين.

وكشفت مصادر مطلعة ووثائق اطلعت عليها وكالة رويترز أن مصرف سوريا المركزي أبلغ البنوك الخاصة منتصف آب الجاري بعزم الحكومة الانتقالية المضي في حذف صفرين من الليرة، مع بدء الاستعداد لإصدار الأوراق النقدية الجديدة بحلول منتصف تشرين الأول.

كما كشفت الوثائق عن اتفاق مع شركة “غوزناك” الروسية الحكومية، الخاضعة للعقوبات الغربية، لطباعة العملة الجديدة، وذلك خلال زيارة وفد سوري رفيع المستوى إلى موسكو أواخر تموز الماضي.

وترى الحكومة الانتقالية في هذه الخطوة ضرورة سياسية، كون الأوراق النقدية الحالية تحمل صورة الرئيس السابق بشار الأسد، لكن العملية تنطوي على مخاطر كبيرة اقتصادية وسياسية في الوقت ذاته.

ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن إعادة طباعة العملة في ظل غياب إطار تنظيمي واضح يشكل تحدياً كبيراً، خصوصاً في ظل تفاوت السيطرة على الأراضي السورية بين مناطق النفوذ المختلفة، فالاقتصاد السوري يعاني منذ سنوات من تضخم مفرط، وانخفاض مستمر في قيمة الليرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، ما يزيد من هشاشة الوضع المالي للمواطنين.

وقال الباحث السوري مالك حافظ إن التعامل مع شركة روسية خاضعة للعقوبات يمثل “انزلاقاً خطيراً”، ليس فقط بسبب صلاتها بالعقوبات الأميركية، بل أيضاً لكونها تورطت سابقاً في طباعة مليارات الأوراق النقدية لصالح سلطات في الشرق الليبي، مما يثير مخاوف حول شرعية وأمن التعامل المالي الدولي مع الحكومة الانتقالية.

وأضاف حافظ أن الخطوة قد تعزز صورة الحكومة الانتقالية ككيان يفتقر إلى رؤية اقتصادية واضحة، وقد تعرضها لمواجهة اعتراضات دولية وربما عقوبات جديدة. كما قد تتسبب في ارتباك المستهلكين، خصوصاً كبار السن، الذين قد يجدون صعوبة في التكيف مع العملات الجديدة في ظل غياب حملات توعية وتنسيق شامل بين المؤسسات المالية.

وتعاني سوريا منذ أكثر من عقد من سنوات من أزمات اقتصادية مركبة بما فيها انهيار البنية التحتية، انقطاع الخدمات الأساسية، تضخم أسعار السلع، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، كلها عوامل زادت من هشاشة الاقتصاد المحلي، وقد أدى هذا الواقع إلى انتشار الأسواق الموازية والتهريب، وارتفاع أسعار العملات الأجنبية مقابل الليرة، ما انعكس سلباً على القدرة الشرائية للأسر السورية، لا سيما الفئات الفقيرة والمتوسطة.

إعادة طباعة العملة، إذا لم تصاحبها خطة شاملة للإصلاح المالي والنقدي، قد تؤدي إلى تعزيز هذه الأزمات، بل وربما تشكل بداية لموجة جديدة من التضخم وانعدام الثقة في المؤسسات المالية، وهو ما سيؤثر مباشرة على الاستقرار الاجتماعي والسياسي في البلاد.

سبق لدول في المنطقة أن لجأت إلى حذف أصفار من عملاتها أو إعادة طباعة الأوراق النقدية، لكن هذه التجارب نجحت غالباً عندما كانت مصحوبة بإصلاحات اقتصادية شاملة، وضبط للإنفاق العام، واستقرار سياسي نسبي.

إعادة طباعة العملة السورية قد تحمل دلالات سياسية، إذ تعكس رغبة الحكومة الانتقالية في توسيع شرعيتها والتعبير عن تحول في السلطة، خصوصاً فيما يتعلق بصور الرموز السابقة، لكنها في الوقت نفسه تضع السلطة أمام اختبار كبير في كيفية إدارة الاقتصاد وإعادة بناء الثقة مع المواطنين، وكذلك في تعاملها مع المجتمع الدولي، خاصة مع الشركات والمؤسسات التي تخضع لعقوبات غربية.

في ظل هذا الواقع المعقد، يبقى السؤال الأساسي: هل تستطيع الحكومة الانتقالية دمج هذه الخطوة ضمن خطة مالية شاملة تضمن استقرار العملة والثقة بها، أم أن القرار سيتحول إلى عامل جديد يفاقم الأزمات الاقتصادية ويضع المواطنين أمام تحديات يومية أكبر؟

- Advertisement -

- Advertisement -