لكل السوريين

مكبّات النفايات في حمص.. معاناة يومية وصراع مع الروائح والأمراض

حمص/ بسام الحمد

في شوارع وأحياء مدينة حمص، يواجه السكان أزمة بيئية متفاقمة تهدد حياتهم اليومية وصحتهم: مكبّات النفايات العشوائية التي تملأ الأحياء والمناطق السكنية. الروائح الكريهة، انتشار الحشرات والقوارض، وتلوث الهواء والمياه، كلها عناصر تجعل من هذه المكبّات مصدر قلق دائم للمواطنين، الذين يشعرون بأن بيئتهم تتدهور أمام أعينهم بلا حل واضح.

في حي الزهراء، إحدى أكثر المناطق كثافة سكانية في حمص، يروي أبو خالد معاناته اليومية: “كل صباح أستيقظ على روائح كريهة تطغى على كل شيء. الأطفال لا يستطيعون اللعب خارج المنزل، والحشرات تملأ المكان، من الصعب حتى فتح النوافذ للتهوية.” أبو خالد ليس وحده؛ العديد من سكان الحي يشتكون من تزايد المشاكل الصحية المرتبطة بالنفايات، مثل الربو والحساسية الجلدية، وكذلك انتشار الحشرات الناقلة للأمراض مثل البعوض والذباب.

أما في ريف حمص الشمالي، فالوضع أكثر خطورة، حيث تقع قرية السعن الأسود على مقربة من أحد أكبر مكبات النفايات. يقول أبو محمود، أحد سكان القرية: “المكب قريب جدًا من بيوتنا، لا يفصل بيننا وبينه سوى 500 متر. الهواء ملوث، والأمراض انتشرت بين الأطفال وكبار السن. لا نقدر على التمتع بالحديقة أو حتى الجلوس أمام المنزل دون أن تشم رائحة القمامة.” ويضيف أبو محمود أن بعض الأهالي اضطروا لنقل أطفالهم إلى أحياء أخرى بعيدًا عن المكب لتجنب المشاكل الصحية، بينما يضطر البعض الآخر لتحمل الوضع رغم مخاطره.

تعود جذور هذه المشكلة إلى نقص البنية التحتية لإدارة النفايات، وقلة الوعي البيئي بين بعض المواطنين، الذين يقومون بإلقاء القمامة في الشوارع أو بالقرب من المناطق السكنية. هذا السلوك يزيد من انتشار المكبّات العشوائية ويضاعف حجم المشكلة. في الوقت نفسه، يواجه عمال النظافة صعوبات كبيرة، حيث لا تتوفر لديهم المعدات الكافية لجمع النفايات بانتظام أو التخلص منها بطريقة آمنة.

أم خالد، امرأة تعيش في حي الخالدية، تقول إن النفايات أصبحت تهدد حياتهم اليومية: “قبل أسبوع انفجر جزء من المكب بسبب تراكم الغازات الناتجة عن المواد العضوية. كان صوت الانفجار عاليًا، وأصيب أحد الجيران بحروق بسيطة، لكن الخوف الأكبر هو استمرار هذه المكبّات بلا أي حل.” هذه الحوادث تؤكد على المخاطر الكبيرة التي تنتظر السكان، خاصة الأطفال وكبار السن الذين هم الأكثر عرضة للأمراض.

الأمر لا يقتصر على المناطق الحضرية فقط؛ ففي القرى المحيطة بحمص، تواجه المكبّات العشوائية مشكلة مشابهة، حيث يقيم بعض السكان مكبات صغيرة بالقرب من الطرق والمزارع. يقول مزارع من قرية الصالحية: “لقد أصبحت الروائح جزءًا من حياتنا اليومية، والمياه المستخدمة لري المحاصيل باتت ملوثة أحيانًا بسبب تصريف النفايات القريبة من الحقول.” هذه التصريحات تعكس تأثير المكبات على الزراعة والاقتصاد المحلي، مما يزيد من الضغوط على الأسر.

الحكومة؛ أعلنت عن بعض المحاولات لمعالجة المشكلة، مثل حملات تنظيف مؤقتة وإقامة مكبات رسمية بعيدة عن التجمعات السكانية، لكن هذه الإجراءات غالبًا ما تكون محدودة النطاق وذات أثر قصير المدى. المواطنون يقولون إن الحل يحتاج إلى خطة متكاملة تشمل التوعية البيئية، تشديد الرقابة على رمي النفايات، تحسين آليات جمع النفايات، وإقامة مرافق معالجة صحية للنفايات الصلبة.

في حي الوعر، أحد أكثر الأحياء كثافة سكانية، يقول شاب يدعى سامر: “حتى عندما نحاول التخلص من النفايات بشكل منظم، نلاحظ أن الشاحنات لا تأتي بانتظام، أو تتأخر لعدة أيام، فتتراكم النفايات وتصبح مصدرًا للروائح والحشرات. نحتاج إلى حل جذري وليس مؤقت.” هذه المشكلات اليومية تؤكد أن أزمة النفايات ليست مجرد مسألة جمال المدينة، بل قضية صحة عامة وبيئة مستدامة.

بينما يستمر السكان في مواجهة هذه المشكلة، يبقى السؤال الأكبر: كيف يمكن تحويل إدارة النفايات في حمص من عملية روتينية جزئية إلى نظام مستدام يحمي صحة المواطنين ويحافظ على البيئة؟ السكان، من شباب وكبار وأطفال، يعانون يوميًا من هذه الأزمة، ويؤكدون أن حياتهم اليومية تتأثر بشكل مباشر بالمكبّات العشوائية.

في نهاية المطاف، فإن معالجة مشكلة مكبات النفايات في حمص تتطلب تكاتف الجهود بين الجهات الحكومية والمجتمع المحلي، توفير موارد مناسبة للنظافة والتخلص الآمن من القمامة، وتعزيز ثقافة الوعي البيئي لدى المواطنين. فقط من خلال هذه الجهود يمكن لحمص أن تتنفس هواء نظيفًا، وتتحول مكبّات النفايات من تهديد دائم إلى نظام إدارة نفايات مستدام يحافظ على الصحة العامة ويعيد للمدينة جمالها وراحة سكانها.

- Advertisement -

- Advertisement -