لكل السوريين

سياسي سوري: التدخلات التركية تهدد السلم الأهلي وتجربة شمال وشرق سوريا الديمقراطية

حاوره/ مجد محمد

‏أكد ابراهيم العثمان أن التدخلات التركية تشكل خطراً مباشراً على السلم الأهلي، وعلى التجربة الديمقراطية التي بنيت على أساس التعددية والمشاركة الشعبية في شمال وشرق سوريا، ومع استمرار أنقرة في سياساتها العدائية، يبقى الرهان على وحدة المكونات المحلية، ودعم المجتمع الدولي، ودور الإعلام في كشف الحقائق، كعوامل رئيسية لمواجهة هذه التحديات

‏تتصاعد حدة التوتر في شمال وشرق سوريا مع استمرار التدخلات التركية التي أخذت أشكالاً متعددة، من العمليات العسكرية المباشرة، إلى دعم جماعات مسلحة، وصولاً إلى محاولات التأثير في المشهد السياسي عبر التحالف مع أطراف سورية أخرى، ومع استبعاد أنقرة من الملف السوري على المستوى الدولي، لجأت إلى أساليب جديدة لفرض أجندتها، أبرزها منع مشاركة الحكومة السورية الانتقالية في اجتماع باريس الأخير، الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا ترى أن هذه السياسات لا تهدد فقط الأمن المحلي، بل تمس إستقرار المنطقة برمتها، وتستهدف نموذج الحكم الديمقراطي القائم على التعددية والمشاركة المجتمعية.

‏وبهذا الخصوص عقدت صحيفتنا السوري حواراً مطولاً مع الأستاذ ابراهيم العثمان عضو حركة التجديد الديمقراطي، ودار الحوار التالي:

‏*كيف تنظرون إلى استمرار التدخلات التركية في الملف السوري بعد استبعادها من قبل القوى الدولية؟

‏‏التدخلات التركية في الشأن السوري لم تتوقف منذ بداية الأزمة، بل شهدت في السنوات الأخيرة أشكالاً جديدة أكثر تعقيداً وخطورة، فبعد أن تم استبعاد أنقرة من الملف السوري على المستوى الدولي نتيجة سياساتها غير المتوازنة ومواقفها المتناقضة، لجأت إلى خطوات انتقامية، أبرزها تعطيل أي مسار سياسي أو دبلوماسي يمكن أن يفضي إلى حل شامل للأزمة السورية، وإن سعيها لمنع مشاركة الحكومة السورية الانتقالية في اجتماع باريس الأخير، والضغط الذي مارسته عبر زيارة وزير خارجيتها إلى دمشق، يوضح أن أنقرة لا تزال تتعامل مع الملف السوري من منظور مصلحي ضيق قائم على التوسع والنفوذ، وهذه السياسات في الحقيقة، لا تهدف إلا إلى فرض أجندة تركيا الخاصة، على حساب استقرار المنطقة وحقوق شعوبها، وفي مقدمتهم الشعب الكردي وشعوب شمال وشرق سوريا.

‏*ما هي دوافع تركيا لزيادة تهديداتها الأخيرة لقوات سوريا الديمقراطية؟

‏التهديدات التركية المتكررة لقوات سوريا الديمقراطية ليست وليدة اللحظة، بل هي جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى إضعاف أي مشروع ديمقراطي أو إداري مستقل في شمال وشرق سوريا، قوات سوريا الديمقراطية أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على حماية المنطقة ودحر الإرهاب، وفي مقدمة ذلك تنظيم “داعش”، وهذا ما جعلها تحظى بدعم واحترام دولي، لكن تركيا ترى في هذه التجربة الديمقراطية تهديداً مباشراً لمشروعها القائم على السيطرة والهيمنة، أنقرة لا تتحمل رؤية نموذج حكم يشارك فيه الكرد والعرب والسريان والآشوريون والتركمان بشكل متساوي، لأنها تخشى أن يلهم ذلك مكونات الشعب التركي نفسها للمطالبة بحقوق مماثلة، لذلك فهي تكثف خطابها العدائي وتحشد قواتها على الحدود، وتعمل على خلق بؤر توتر داخلية بالتعاون مع أطراف سورية أخرى، بهدف تقويض استقرار الإدارة الذاتية وإضعاف مشروعها.

‏‏*كيف تقيمون محاولات تركيا استغلال بعض العشائر العربية لزعزعة الاستقرار في المنطقة؟

‏‏هذه السياسة التركية ليست جديدة، فقد اعتادت أنقرة على استغلال البنية العشائرية في بعض المناطق لإثارة النزاعات الداخلية وتأليب مكونات المجتمع ضد بعضها، وفي المرحلة الأخيرة، رصدنا جهوداً واضحة من جانب تركيا بالتنسيق مع بعض الأطراف في الحكومة السورية الانتقالية، لتأليب بعض العشائر في المناطق العربية على الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، الهدف من ذلك ليس فقط خلق حالة فوضى داخلية، وإنما أيضاً التمهيد لعمليات عسكرية جديدة تحت ذريعة حماية المكون العربي، وفي الواقع هذه الإستراتيجية تهدف إلى تمزيق النسيج الاجتماعي في المنطقة، وإعادة فرض أنظمة حكم تابعة لأنقرة تتحكم بالموارد والقرار السياسي، والإدارة الذاتية تدرك هذه المخططات وتعمل على مواجهتها من خلال الحوار المباشر مع العشائر وفتح قنوات تواصل شفافة، مع تعزيز دور المجالس المحلية التي تمثل جميع المكونات.

‏*ما هي انعكاسات سياسات تركيا الحالية على مستقبل الاستقرار في شمال وشرق سوريا؟

‏‏استمرار السياسات التركية العدائية سيؤدي بلا شك إلى إطالة أمد الأزمة السورية وزيادة معاناة المدنيين، أنقرة تتبع سياسة قائمة على زعزعة الاستقرار وخلق أزمات متتالية، ما يمنع أي عملية تنموية أو إعادة إعمار حقيقية، هذا الوضع يؤثر بشكل مباشر على حياة الملايين من سكان المنطقة، الذين يعيشون حالة من القلق الدائم جراء التهديدات التركية، وفي المقابل فإن الحفاظ على الاستقرار في شمال وشرق سوريا يتطلب دعم المشروع الديمقراطي للإدارة الذاتية، ورفض أي محاولات لإعادة إنتاج الاحتلال أو فرض أنظمة تبعية، والمجتمع الدولي مطالب اليوم بالتحرك للحد من هذه التدخلات، وإلزام تركيا باحترام القانون الدولي ووقف سياساتها التي تهدد السلم الأهلي والأمن الإقليمي.

‏‏*كيف يمكن للإعلام أن يواجه هذه التدخلات ويكشف حقيقتها؟

‏‏للإعلام دور محوري في فضح السياسات التركية ونقل الحقيقة إلى الرأي العام المحلي والدولي، نحن نرى أن على وسائل الإعلام أن تتبنى خطاباً مهنياً وموضوعياً يسلط الضوء على الانتهاكات والاعتداءات التي تمارسها أنقرة في شمال وشرق سوريا، وأن تقدم صورة واضحة عن آثار هذه السياسات على المدنيين، الإعلام المستقل هو خط الدفاع الأول في مواجهة التضليل والدعاية التي تروجها بعض المنابر المرتبطة بتركيا، كما أن من الضروري أن ينقل الإعلام قصص النجاح التي حققتها الإدارة الذاتية في مجالات الأمن، والتعليم، والخدمات، والمشاركة السياسية، ليكون الرأي العام العالمي على دراية كاملة بأن هناك نموذجاً ديمقراطياً قابلاً للحياة في المنطقة، وأن ما تتعرض له هذه التجربة هو استهداف سياسي وعسكري بحت.

‏‏*هل هناك توافق دولي كامل على استبعاد تركيا من الملف السوري؟

‏لا يمكن القول بوجود توافق كامل، لكن هناك تحول ملحوظ في الموقف الدولي، كثير من القوى الكبرى باتت تنظر إلى تركيا كعامل إعاقة وليس كشريك في الحل، في المقابل، ما زالت هناك أطراف تبقي قنواتها مفتوحة مع أنقرة لأسباب تتعلق بالأمن الإقليمي ومصالح مشتركة، خاصة في قضايا اللاجئين وحلف الناتو، ومع ذلك الاتجاه العام يشير إلى أن تركيا لم تعد اللاعب المركزي الذي لا غنى عنه، وأن القوى الدولية تبحث عن شركاء محليين أكثر مصداقية، وهو ما يفتح الباب أمام قوى مثل الإدارة الذاتية لتكون جزءاً من الحل.

‏‏*كيف أثرت زيارة وزير الخارجية التركي الأخيرة إلى دمشق على هذا الموضوع؟

‏زيارة وزير الخارجية التركي لدمشق جاءت في توقيت حساس، إذ سبقت اجتماع باريس بأيام قليلة، الهدف الأساسي منها كان إقناع النظام السوري بعدم التعامل مع الحكومة الانتقالية، وربما السعي إلى تفاهمات ثنائية تحفظ مصالح أنقرة، لكن هذه الزيارة أظهرت أيضاً حجم الارتباك التركي، فأنقرة تحاول اليوم طرق أبواب دمشق بعد سنوات من القطيعة، وهذا يعكس خوفها من فقدان أوراقها، النظام من جهته يتعامل ببراغماتية، لكنه يدرك أن تركيا لا تسعى إلى حل شامل بقدر ما تبحث عن صفقات مرحلية تخدم مصالحها.

‏‏*ما موقف المجتمع الدولي من هذه التحركات التركية؟

‏‏الموقف الدولي متباين، لكن ما يمكن ملاحظته أن التعاطف مع الموقف التركي يتراجع بشكل ملحوظ، هناك إدراك متزايد أن تركيا تستخدم الملف السوري كورقة مساومة في قضايا أخرى مثل عضوية الناتو أو ملف اللاجئين، لهذا السبب كثير من الدول الأوروبية باتت تميل إلى تقليل الاعتماد على تركيا والبحث عن بدائل محلية سورية يمكن التعامل معها بشكل مباشر، وهذا ما يجعل تجربة الإدارة الذاتية تحظى باهتمام متزايد، لأنها تمثل نموذجاً مستقراً وقادراً على إدارة شؤون مناطقه بفعالية.

‏*هل يمكن القول إن تركيا فقدت دورها في الحل السياسي السوري؟

‏يمكن القول إنها فقدت مكانتها كلاعب أساسي كما كانت في مسارات أستانا وسوتشي سابقاً، لكنها لم تخرج كلياً من المشهد، تركيا لا تزال موجودة بحكم احتلالها لمناطق واسعة شمال سوريا، لكن هذا الوجود أصبح عبئاً أكثر منه ورقة قوة، كلما أثبتت القوى المحلية، مثل الإدارة الذاتية، قدرتها على إدارة مناطقها بشكل ناجح، تراجع الدور التركي وفقد جزءاً من شرعيته، المستقبل لن يكون لأنقرة إلا إذا غيرت نهجها، وهو ما لا يبدو مرجحاً حالياً.

‏‏*ما تأثير هذه التطورات على مستقبل العملية السياسية في سوريا؟

‏‏التدخلات التركية تضيف مزيداً من التعقيد، لكن في الوقت نفسه تكشف للعالم أن الحل لا يمكن أن يكون عبر إقصاء السوريين الحقيقيين، التجربة أظهرت أن أي عملية سياسية تستثني القوى المحلية الفاعلة محكوم عليها بالفشل، لذلك المستقبل يتجه نحو إشراك الإدارة الذاتية وغيرها من المكونات التي أثبتت وجودها على الأرض، هذه التطورات قد تكون بداية لتغيير موازين القوى السياسية، بحيث يصبح الحل أقرب إلى صيغة سورية – سورية حقيقية.

‏‏*كيف يمكن للحكومة السورية الانتقالية تجاوز هذه العراقيل؟

‏‏إذا أرادت الحكومة الانتقالية أن تكون ذات مصداقية، فعليها أن تتحرر من أي وصاية خارجية، وخاصة التركية، تجاوز العراقيل يتطلب بناء شراكات حقيقية مع القوى المحلية الفاعلة، وفي مقدمتها الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وحدها التحالفات الداخلية القائمة على الديمقراطية والاعتراف بالتعددية السورية يمكن أن تمنح أي جسم سياسي الشرعية اللازمة للمشاركة في الحل، أما الاستمرار تحت المظلة التركية فلن يؤدي إلا إلى مزيد من التهميش وفقدان الثقة.

‏‏*ختاماً، برأيك ما هي الخطوات الضرورية اليوم لإرساء حل عادل ومستدام في سوريا؟

‏‏الخطوة الأولى هي الاعتراف بضرورة مشاركة جميع القوى السورية الفاعلة في الحوار السياسي، دون إقصاء أو تهميش، الخطوة الثانية تتمثل في وضع حد للتدخلات الخارجية، وعلى رأسها التدخل التركي الذي يعرقل أي تقدم نحو الحل، أما الخطوة الثالثة فهي صياغة دستور جديد يضمن حقوق جميع المكونات، ويكرس مبدأ اللامركزية الديمقراطية كصيغة واقعية لإدارة بلد متنوع مثل سوريا، ومن المهم أيضاً أن يواكب ذلك دعم دولي حقيقي لإعادة الإعمار وتثبيت الاستقرار، لأن أي عملية سياسية بلا بعد اقتصادي وخدماتي ستكون ناقصة، الإدارة الذاتية ترى أن الطريق إلى الحل لا يمر عبر صفقات فوقية، بل عبر مشاركة السوريين أنفسهم، من القاعدة إلى القمة.

- Advertisement -

- Advertisement -