في خضم النقاشات الدائرة حول مستقبل سوريا، يطفو على السطح جدلٌ متكررٌ حول مفهومي “الأكثرية” و”الأقلية”، لكنهما لا يُستخدمان بمعناهما السياسي الكلاسيكي القائم على التعددية البرامجية والانتخابية، بل يتحولان إلى أدواتٍ لتصنيف المجتمع على أسس طائفية وقومية ودينية. هذا الانزياح الخطير في الخطاب العام ليس مجرد نتاجٍ لـ”تخلف” محلي أو انعدام الثقافة السياسية، بل هو استيرادٌ لنموذج فكري غربي معاصر يعيد صياغة الصراع من إطاره السياسي والاجتماعي إلى إطار هوياتي ضيق، مما يهدد بتمزيق النسيج المجتمعي ويصرف الانتباه عن القضايا الجوهرية مثل العدالة الاجتماعية والحرية.
تاريخياً، ارتبط مفهوم الأكثرية والأقلية في الفكر السياسي الغربي بالديمقراطية التمثيلية، حيث تُحدد الأكثرية والأقلية بناءً على البرامج السياسية ونتائج الانتخابات، كما حدث بعد الثورة الفرنسية عام 1789. في هذا النموذج، كانت الهويات الدينية أو القومية تُعتبر عوامل ثانوية، إن لم تكن غائبة تماماً، عن عملية الفرز السياسي.
لكن هذا النموذج بدأ يتآكل مع صعود مدارس فكرية جديدة في الغرب منذ ثمانينيات القرن الماضي، أبرزها مدرسة ما بعد الاستعمار والدراسات الثقافية، والتي ركزت على مفهوم “الفئات التابعة” كفئات تُعرّف أساساً بانتماءاتها الهوياتية الثابتة، مثل العرق أو الدين أو الجندر.
هذا التحول لم يكن بريئاً، بل جاء في سياق محاولة إفراغ النضالات الاجتماعية من مضمونها السياسي والاقتصادي، وتحويلها إلى صراعات هوياتية جزئية. فبدلاً من الحديث عن العدالة الاقتصادية أو الحقوق السياسية للمجتمع ككل، أصبح النقاش يدور حول “حقوق الأقليات” بمعزل عن السياق العام، مما سمح للأنظمة بتفتيت المطالب الشعبية وتوجيهها نحو معارك جانبية لا تمس مصالح النخب الحاكمة.
في سوريا، تحولت هذه المفاهيم المستوردة إلى أداةٍ لتكريس الانقسامات بدلاً من حلها. فبدلاً من أن يكون الصراع سياسياً بين مشاريع وطنية متنافسة، أصبح يُختزل إلى مواجهة بين “أكثرية” و”أقليات”، مما يغذي الخطاب الطائفي ويفتح الباب أمام التدخلات الخارجية التي تتلاعب بهذه الاصطفافات لتحقيق مصالحها. الأكثر إثارةً للقلق هو أن هذا النموذج يُقدم كحلٍ “متقدم” و”حديث”، بينما هو في الواقع يعيد إنتاج المشكلة نفسها تحت شعارات براقة.
وعندما يُختزل الصراع في سوريا إلى صراع هويات، يُفقد المجتمع القدرة على رؤية الأزمات الحقيقية: كالفساد، وغياب العدالة الاجتماعية، واستمرار هيمنة النظام الأمني. فبدلاً من أن تتحد الجهود لبناء دولة المواطنة المتساوية، ينشغل الناس بمعارك جانبية حول من يمثل “الأقلية” ومن يمثل “الأكثرية”، وكأن الديمقراطية هي مجرد عملية حسابية ديموغرافية وليس صراعاً حول الأفكار والمشاريع.
المشكلة ليست في استيراد الأفكار من الخارج، فالتجارب الإنسانية يجب أن تكون ملكاً للجميع، لكن الخطر يكمن في استيراد النماذج الأكثر تدميراً دون وعيٍ بسياقها وتداعياتها. فالنموذج الهوياتي الذي يُروج له اليوم في سوريا ليس إلا نسخةً مشوهةً من نماذج غربية فشلت في تحقيق العدالة حتى في مجتمعاتها الأصلية.
ففي أوروبا وأمريكا، أدى التركيز على الصراعات الهوياتية إلى إضعاف الحركات العمالية واليسارية، وتحويل النقاش العام من قضايا مثل الفقر وعدم المساواة إلى جدالات حول الرموز الثقافية والحقوق الفردية.
في سريا، يُستخدم هذا النموذج لتحقيق أهداف خطيرة تتمثل في تكريس التقسيم الطائفي بتحويل الصراع إلى مواجهة بين “أكثرية سنية” و”أقليات دينية”، مما يسقط أي احتمال لبناء تحالفات سياسية عابرة للهويات. كما يؤدي إلى إضعاف المطالب المشتركة حيث ينشغل الناس بالدفاع عن “هوياتهم” وينسون المطالب الأساسية مثل محاسبة النظام أو إعادة توزيع الثروة. والأخطر أنه يسهل التدخل الخارجي حيث تصبح كل جماعة هوياتية أداةً في يد دول إقليمية أو دولية تزعم أنها “حامية” لهذه الأقلية أو تلك.
الخروج من هذا النمط من التفكير يتطلب إعادة الاعتبار للمفاهيم السياسية الكلاسيكية التي تركز على المواطنة والمساواة، ورفض أي تصنيف للمجتمع على أساس هوياتي ثابت. يجب أن تكون الأولوية لبناء مشروع وطني شامل يعترف بالتنوع دون أن يجعله أساساً للصراع، ويعيد تعريف “الأكثرية” و”الأقلية” بمعناها السياسي الديمقراطي، أي كتعبيرٍ عن تعددية الآراء وليس عن انتماءات جامدة.
كما يجب التوقف عن تبني النماذج الغربية دون نقد، فما يصلح في سياقٍ قد لا يصلح في آخر. فبدلاً من استيراد نموذج “صراع الهويات”، يمكن الاستفادة من التجارب التي ركزت على العدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية كأساسٍ للتعايش، كما حدث في بعض التجارب الانتقالية الناجحة نسبياً.
الخطير في تحويل الصراع السوري إلى صراع هويات هو أنه يحوّل المواطنين إلى مجرد ممثلين لانتماءاتهم العرقية أو الدينية، وينزع عنهم صفة الفاعلين السياسيين القادرين على تغيير واقعهم. النقاش حول “الأكثرية” و”الأقلية” في سوريا يجب أن يعود إلى جذوره السياسية، وإلا سنظل ندور في حلقة مفرغة من الاتهامات والانقسامات، بينما تترسخ الأنظمة الفاسدة وتستفيد من هذا التشتت.
السؤال الأهم ليس من ينتمي إلى أي جماعة، بل كيف يمكن بناء نظامٍ يعترف بالجميع كمواطنين متساوين، ويحوّل التنوع من مصدر للصراع إلى مصدرٍ للقوة. فبدلاً من استيراد نماذج فاشلة، حان الوقت لابتكار حلولنا الخاصة، التي تنطلق من واقعنا وتاريخنا، لا من وصايا جاهزة تزيد الوضع تعقيداً.