لكل السوريين

إصلاحات الرئيس.. تعرقل الانتقال الديمقراطي في تونس وتفقد البلاد وزنها الدولي

تمكنت تونس بعد نجاح ثورتها، من إرساء أسس تجربة جديدة تميزت بالانفتاح السياسي رغم التحديات التي رافقت مسار الانتقال الديمقراطي فيها، ورسخ التونسيون خلال الفترة ما بين 2011 و2021، ممارسات ديمقراطية غير مألوفة في المحيط الإقليمي، وأسسوا لنظام سياسي تعددي، ووضعوا دستوراً توافقياً، ونجحوا في ضمان التداول السلمي على الحكم، بدعم من القوى المدنية الناشطة.

وفي الخامس والعشرين من شهر تموز عام 2021، جمّد الرئيس التونسي قيس سعيّد البرلمان وأقال الحكومة، في خطوة وصفها بأنها “تصحيح للمسار الديمقراطي”، لكنها سرعان ما تحولت إلى مسار عرقل مقومات الانتقال الديمقراطي، ونقل البلاد من سياق المخاض الديمقراطي، بكل ما فيه من طموحات وأمل، إلى خانة الأنظمة الفردية المغلقة، وقطع الطريق على تجربة كانت واعدة بشكل واضح.

ولم تعمل سلطة سعيّد على تحقيق وعودها بالإصلاح، بل دفعت البلاد نحو عزلة داخلية ودولية ترتبت عليها تداعيات سلبية متعددة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، حيث تراجع الاستثمار وارتفع العجز في الميزانية العامة، مما عزز الشعور بالإحباط  لدى معظم التونسيين.

عزلة داخلية 

لم ينجح الرئيس الذي زعم محاربة الفساد، في تقديم أي رؤية بديلة، بل ركز جهوده على تصفية معارضيه السياسيين، وتهميش مؤسسات الدولة، مما أدى إلى تنامي حالة اليأس، وتزايد موجات الهجرة غير النظامية، خاصة بين صفوف الشباب والطبقة الوسطى.

وسرعان ما بدأ الشعب التونسي يظهر علامات القطيعة مع مسار الرئيس سعيّد، الذي وصفته أحزاب المعارضة التونسية بالانقلاب، وبدا ذلك واضحا في عزوفه الواسع عن المشاركة في المحطات الانتخابية، إذ لم تتجاوز المشاركة في الانتخابات التشريعية التي أجريت في شهر كانون الأول عام 2022، وفي شهر كانون الثاني عام 2023، نسبة 11%، بينما كانت النسبة في الاستفتاء على الدستور 30%، وفي الانتخابات الرئاسية الأخيرة العام الماضي  28%، مما اعتبر رسالة سياسية واضحة برفض “الجمهورية الجديدة”.

ومن جهتها، عبرت الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني عن تململ وقلق متزايدين من انسداد الأفق السياسي، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتراجع الحريات.

وارتفعت أصوات الاحتجاج في الشوارع رفضاً لغلاء المعيشة ونقص المواد الأساسية وانهيار الخدمات.

عزلة خارجية

تخلت تونس في عهد الرئيس سعيّد عن شركائها الغربيين، وعلى رأسهم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، دون أن تنجح في تعويضهم بتحالفات متينة في الفضاءات البديلة.

ورغم رفعها لشعارات رفض الإملاءات الخارجية، وتنويع الشركاء، والتوجه نحو بدائل خارج الفضاء الأميركي والأوروبي، لم تتمكن السلطة من إيجاد أي بدائل اقتصادية واقعية، وغابت عن قمة “منظمة شنغهاي للتعاون” الأخيرة، وهي إحدى أبرز الفعاليات الدولية التي شهدت مشاركة فاعلة من دول تعتبر من الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، مثل الهند ودول الخليج.

وطرح هذا الغياب أكثر من علامة استفهام حول مدى جدية السلطات التونسية في البحث عن تحالفات جديدة، وقدرتها على تقديم مقومات بناء تحالفات استراتيجية، مثل الاستقرار السياسي، والإصلاح الاقتصادي، والقدرة على الإيفاء بالتزاماتها الدولية، خاصة أن القمة تمثل منصة مهمة لإعادة تموضع الدول التي تسعى إلى كسر الأحادية الغربية.

كما تم استبعادها من مشاريع التعاون الأورومتوسطي، وتجميد عدد من البرامج التنموية التي كانت مدرجة ضمن الشراكات مع الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي.

تداعيات سلبية

أدى انتشار الفساد في تونس، وعزلتها الخارجية إلى تداعيات سلبية على مختلف الصعد فيها،

فعلى الصعيد الاقتصادي، أدى غياب الدعم الخارجي وتراجع الاستثمار، إلى تفاقم العجز في الميزانية، وارتفاع في نسب التضخم، وتراجع حاد في قيمة الدينار التونسي.

كما أصبحت الدولة عاجزة عن تغطية حاجياتها من الواردات الأساسية، فتعطلت المشاريع الكبرى، وتوقفت برامج التنمية نتيجة لغياب التمويل.

وعلى الصعيد الاجتماعي، انعكس هذا الوضع على حياة المواطنين بشكل مباشر، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية، وتراجعت الخدمات العمومية في مجالات التعليم والصحة والنقل، وتزايدت إضرابات العاملين في العديد من القطاعات الحيوية، وتفاقم الشعور بالإحباط واليأس، مما دفع الآلاف من الشباب إلى الهجرة للبحث عن فرصة حياة أفضل خارج البلاد.

وعلى الصعيد السياسي، أدت هذه الأوضاع إلى تراجع وزن تونس الدولي، وفقدانها القدرة على التأثير في العديد من الملفات الإقليمية والدولية، وغيابها عن معظم المؤتمرات والقمم الكبرى، كما لم تعد طرفاً فاعلاً في الملفات الاستراتيجية للمنطقة، سواء في شمال أفريقيا أو في حوض المتوسط.

- Advertisement -

- Advertisement -