لكل السوريين

المرأة في دساتير الشرق الأوسط ودورها في سوريا ونموذج الإدارة الذاتية

صباح خليل

 

تُعتبر قضايا حقوق المرأة وتمكين النساء من المواضيع الحيوية التي تشغل الساحة الفكرية والسياسية في الشرق الأوسط.

تاريخياً، عانت النساء في هذه المنطقة من التهميش والإقصاء، لكن على مر العقود، بدأت تتشكل حركات نسوية تهدف إلى تعزيز حقوق المرأة، ولا سيما من خلال الأطر الدستورية والقانونية التي تضع أسس العدالة والمساواة بين الجنسين، في هذا السياق، تتناول هذه المقالة التفعيل النسوي في دساتير الشرق الأوسط وأهمية دور النساء في سوريا، مع تسليط الضوء على التجارب الرائدة في المنطقة ولا سيما تجربة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.

وتمثل الدساتير في دول الشرق الأوسط الإطار القانوني الذي يحدد حقوق الفرد والمجتمع، بما في ذلك حقوق النساء، وفي العقود الأخيرة، حاولت العديد من هذه الدول إدخال تعديلات على دساتيرها لتشمل أحكامًا تضمن حقوق المرأة ومشاركتها في الحياة العامة.

ففي تونس مثلاً، نصّ دستور عام 2014 على تخصيص نسبة معينة من المقاعد للنساء في الهيئات التشريعية، وهو ما مثّل تقدماً ملحوظاً في مسار تمكين النساء سياسياً، كما أدرجت بعض الدساتير نصوصاً تحمي حق النساء في العمل والتعليم، مما ساهم في توسيع فرصهن في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على حد سواء.

ورغم هذا التقدم، لا تزال هناك تحديات جسيمة تواجه تفعيل حقوق النساء في المنطقة، فالقوانين التقليدية والأعراف الاجتماعية لا تزال تتحكم بدور المرأة في عدد من البلدان، مما يعيق تطبيق النصوص الدستورية الحديثة. وتبقى الممارسات الثقافية المحافظة من أهم العقبات التي تحول دون تحقيق المساواة الفعلية، إلى جانب عدم التوزيع العادل للموارد الاقتصادية الذي يقيد استقلالية النساء وفرصهن في تطوير قدراتهن ومواقعهن المجتمعية.

وفي سوريا، تتخذ قضية المرأة بعداً خاصاً بسبب تعقيدات المشهد السياسي والاجتماعي الناتج عن الحرب المستمرة منذ عام 2011، فالنساء السوريات عانين من تبعات النزاع، لكنهن في الوقت ذاته برزن في أدوار قيادية ومجتمعية غير مسبوقة.

شاركت العديد منهن في مجالات السياسة والمجتمع المدني والإغاثة، وأسسن منظمات تعمل على إعادة بناء النسيج الاجتماعي وتعزيز قيم المساواة والعدالة.

وتبرز تجربة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا كنموذج متقدّم في المنطقة فيما يتعلق بتمكين النساء وإشراكهن في صنع القرار، فمنذ تأسيس الإدارة، تم اعتماد مبدأ الرئاسة المشتركة في جميع مؤسساتها، بحيث تتولى امرأة ورجل معاً قيادة كل هيئة أو مجلس، لضمان التوازن والمساواة في مواقع السلطة.

كما تم تحديد نسبة تمثيل النساء بـ 50% في المجالس التشريعية والتنفيذية، وهو ما جعل المرأة جزءاً أساسياً من عملية اتخاذ القرار السياسي والإداري، ولم تقتصر هذه المشاركة على الجانب الشكلي، بل انعكست على السياسات العامة التي باتت تراعي قضايا النساء وتدافع عن حقوقهن في العمل والتعليم والحماية من العنف.

لقد ساهم هذا النموذج في إحداث نقلة نوعية في الوعي الاجتماعي تجاه دور المرأة، إذ أصبحت النساء يقدن المجالس المحلية، ويشرفن على مؤسسات خدمية، ويتولين مناصب وزارية وإدارية رفيعة، وقد شكّل ذلك تحولاً ثقافياً بارزاً في مجتمعٍ طالما كان يخضع لسلطة العادات الذكورية، كما أن الإدارة الذاتية تبنّت قوانين متقدمة لحماية المرأة من العنف الأسري والزواج القسري، وفتحت المجال أمام النساء للمشاركة في صياغة السياسات العامة، مما عزّز حضورهن كفاعلات في بناء السلام والمجتمع.

إلى جانب ذلك، تضمنت بعض الدساتير في المنطقة نصوصاً واضحة حول المساواة بين الجنسين، كما في الدستور المصري لعام 2014 الذي نص على أن “المرأة قوام المجتمع” وأكد على تمثيلها في الحياة السياسية والاقتصادية، وركّزت دساتير أخرى على تنظيم حقوق النساء داخل الأسرة، بما يضمن حقوقهن كأمهات وزوجات، رغم اختلاف تطبيق هذه النصوص من دولة إلى أخرى تبعاً للعادات والتقاليد.

كما شهدت بعض الدول خطوات عملية لتعزيز تمثيل النساء من خلال نظام “الكوتا”، كما في تونس التي خصصت 50% من المقاعد للنساء في المجالس البلدية، وهو نموذج يحتذى به، غير أن التحديات تبقى قائمة في مجتمعات ما زالت تحكمها التقاليد، وتواجه فيها النساء العنف الأسري والتمييز في أماكن العمل، فضلاً عن ضعف تمثيلهن الحقيقي في البرلمانات والحكومات.

في سوريا، برزت حركات نسائية متنوعة مثل “التجمع النسائي السوري” و”نساء سوريا من أجل السلام”، وهي مبادرات تعمل على توعية المجتمع وتمكين النساء في المجالات الاقتصادية والسياسية، ولعبت النساء أدواراً قيادية في العمل الإنساني خلال النزاع، وتولين مهامّ الإغاثة وتقديم الخدمات، في ظل غياب مؤسسات الدولة في كثير من المناطق.

وقد مثّلت بعض الشخصيات النسائية نماذج بارزة في النضال من أجل حقوق النساء في سوريا والمنطقة، مثل هدى شعراوي التي تركت إرثاً فكرياً مستمراً في دعم قضايا المرأة، ورضوى السعيد الناشطة السورية التي ركزت جهودها على المساواة في فترة النزاع، ونصرة الناصر التي تعمل على دعم النساء النازحات والمشردات، ومنى الشرفي وعائشة العقاد اللتين أسهمتا في تمكين النساء عبر التعليم والمشاريع الصغيرة. كذلك تُعد أمل كوردي وفاطمة ميّاس من أبرز الأصوات النسائية في الدفاع عن قضايا المرأة والمشاركة في صياغة مستقبل سوريا.

ولا يمكن إغفال التأثير الإقليمي لحركات نسائية أخرى مثل لجين الهذلول التي أصبحت رمزاً عربياً للنضال من أجل حقوق المرأة، وألهمت العديد من النساء السوريات للمطالبة بالمزيد من الحريات والمساواة.

تُظهر هذه النماذج أن النساء في سوريا والمنطقة يلعبن دوراً محورياً في بناء المستقبل، سواء من خلال المجتمع المدني أو عبر المشاركة السياسية المباشرة، وتجربة الإدارة الذاتية تُثبت أن إشراك المرأة في القرار السياسي بنسبة 50% ليس مجرد شعار، بل خطوة استراتيجية نحو مجتمع أكثر عدلاً ومساواة.

إن تمكين النساء في الشرق الأوسط، وخاصة في سوريا، ضرورة استراتيجية تتجاوز البعد الحقوقي لتشمل أبعاداً تنموية واجتماعية، فهو شرط أساسي لاستقرار المجتمعات وتقدمها، ومن هنا يجب أن تتضافر الجهود بين الحكومات والمنظمات المدنية والمجتمع ككل لدعم التعليم والمشاريع النسائية وتعديل القوانين المقيدة للحقوق، بما يضمن تحقيق المساواة الكاملة للنساء ومشاركتهن في بناء مستقبلٍ أكثر إنصافاً وكرامة.

- Advertisement -

- Advertisement -