لكل السوريين

سوريا “ترابها زعفران”… عبق التاريخ ونهضة المواسم الذهبية

بين أنين البارود وصمت الحقول المهجورة، ووسط أرضٍ اشتدّ عليها الغياب لسنوات، يعود الزعفران السوري بوجهه البنفسجي ليُعيد الحياة إلى التراب، والفرح إلى القرى. إنه الزعفران، أو “الذهب الأحمر”، النبتة التي لطالما اختصرت تاريخاً من العطر والعلاج والثراء، تعود اليوم إلى سوريا بخجل، ولكن بأمل كبير.

خلال سنوات الحرب العجاف، غابت مواسم الزعفران عن التلال والسفوح السورية. كان محصولاً واعداً في بعض الأرياف، لكنه اختفى فجأة من الخريطة الزراعية، كغيره من ملامح الحياة التي تلاشت تحت هدير القصف والنزوح. لكن شيئاً ما بدأ يتغيّر في السنوات الأخيرة. لم تكن مبادرات كبرى ولا خططاً حكومية، بل أيادٍ بسيطة ومزارعين يؤمنون بأن الأرض إن أُعطيت، تُعطي. ومن هنا، بدأت قصة العودة.

ذاكرة الزعفران… عبير يمتد لآلاف السنين

يُعتبر الزعفران من أقدم النباتات التي تعامل معها الإنسان، وأغلاها قيمة عبر التاريخ. منذ أكثر من 3000 عام، كان يُزرع ويُستخدم في مصر القديمة، وتحدثت الأساطير عن استحمام الملكة كليوباترا في ماء معطّر بخيوطه الذهبية. في أوروبا، اختلط الزعفران بالمعتقدات والتقاليد، فكان يُستعمل في الكنائس، وتخلله طقوس الرهبان، بينما استخدمته نساء الطبقات العليا في إيطاليا لتزيين الشعر والملابس.

من جهة أخرى، تشير المراجع الزراعية والتاريخية إلى أن الزعفران زُرع للمرة الأولى في اليونان القديمة، قبل أن ينتقل إلى مناطق غرب آسيا، وصولاً إلى إيران، التي تتربع اليوم على عرش إنتاجه العالمي. إلى جانبها، تنافست الهند والمغرب وإسبانيا، بينما بقيت سوريا في الظل، رغم أن جبالها وسهولها هي الموطن الأصلي للأصول البرية لنبات الزعفران.

زرعوا الأمل في طرطوس… وأزهرت الحكاية من جديد

في بلدة دريكيش بريف طرطوس، بدأت ملامح الحلم. المزارع آصف مهنا، تابع برامج زراعية وقرأ عن جدوى الزعفران في بيئة بلده. ومن اختبارٍ صغير، نما المشروع شيئاً فشيئاً، حتى تجاوز عدد البصيلات المزروعة 30 ألف كورمة، بتكلفة تقارب 20 مليون ليرة سورية. لم يكن رقماً صغيراً في بيئة اقتصادية هشّة، لكنه كان رهاناً ناجحاً.

في غضون خمس سنوات، انتقل المشروع من اختبار تربة إلى إنتاج نوع “سوبر نقين”، أحد أجود أنواع الزعفران عالمياً. وتمكنت قرية بيت يوسف من توفير البصيلات لمحافظات أخرى، ما جعل الزعفران يتحول من تجربة فردية إلى نواة شبكة إنتاجية واعدة.

طرطوس تُدرّب… والرقة تُنتج

في المقابل، تولّت جمعيات أهلية مثل “بستان الصوج للزعفران” دعم المزارعين بالتعاون مع “الأمانة السورية للتنمية” واتحاد الفلاحين، ونفذت برامج تدريبية في قرى المحيلبة، قلعة الشيخ، مشتى الحلو، بصيرة الجرد، وعين الشمس. رافق ذلك نشر ثقافة الزراعة وتعليم المهارات الأساسية في التعامل مع النبات.

وفي ريف الرقة، وفي أرض قاحلة تبعد 70 كيلومتراً عن المدينة، زرعت شركة “قمح السورية” نحو 20 ألف نبتة في مساحة لا تتجاوز ألفي متر مربع، لتحقق في عامها الأول غلّة متواضعة، ولكن واعدة. وفي العام الثاني، تضاعف الإنتاج ليصل إلى كيلوغرام للدونمين، أي نحو خمسة كيلوغرامات للهكتار، متجاوزاً المعدل العالمي. التقديرات الجديدة تتحدث عن إمكانية الوصول إلى 15 كيلوغراماً للهكتار، وهي نقلة نوعية في زراعة الزعفران.

بين حمص وحلب والسويداء… الحلم يتمدد

وفي قلب البلاد، دخلت غرفة زراعة حمص على الخط قبل نحو خمسة أعوام، إذ عملت على إنتاج بصيلات موثوقة وبيعها لـ100 مزارع، تحت إشراف فريق فني متخصص. أما في حلب، فتنشط شركات تنموية محلية تعمل في إعادة تأهيل المدن والثروات الزراعية، وتشرف على تجارب زراعية مهمة في الريف.

امتد هذا التوسع إلى السويداء ودرعا، حيث أظهرت النتائج الأولية نجاحاً في البيئات المرتفعة والجافة. أما البادية السورية، فرغم خصوبتها، لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالمياه والتسويق.

ثمرة مُكلفة… وموسم دقيق

رغم تفاؤل التجارب، يبقى الزعفران أحد أغلى المحاصيل تكلفة، لا بسبب الأرض أو الماء، بل لأن كل زهرة يجب أن تُقطف باليد، وبوقتٍ محدد من اليوم قبل سطوع الشمس، ثم تُجفف في الظل لتحافظ على خصائصها. ويحتاج إنتاج غرام واحد إلى نحو 150 زهرة.

في الوقت ذاته، تبقى الآفات تحدياً قائماً، وأبرزها “الخلد” الذي يلتهم الكورمات من تحت الأرض، إضافة إلى الحشرات كالنمل والفطريات التي تنتشر في التربة الرطبة. الحلول كانت محلية، كاستخدام مصائد وتسييج الأرض بعمق 30 إلى 40 سنتيمتراً.

الاقتصاد والوعي… بين التحدي والفرصة

المزارعون يواجهون إشكاليات كبيرة في تسويق الزعفران، أولها ضعف استخدامه في المطبخ السوري، مقارنة بالدول المجاورة التي تُدخله في أطباقها التقليدية. الغالبية في سوريا يشترونه للاستشفاء فقط، وليس كمنتج غذائي.

كما أن تجارة البصيلات لا تكفي لتحقيق دخل مستدام، لأن لكل بصيلة دورة عمرية محددة. لذلك، يركز المنتجون على تحسين جودة “المواسم” – وهي خيوط الزعفران المجففة – للوصول بها إلى الأسواق الإقليمية والعالمية. فالكيلوغرام الواحد يُباع محلياً بنحو 45 مليون ليرة (حوالي 3 آلاف دولار)، ولكن سعره العالمي يمكن أن يتجاوز ذلك بكثير، خاصة عند التصدير.

نبتة المستقبل… حين تصير الأرض كنزاً

لا يحتاج الزعفران إلى مساحات شاسعة أو ري دائم. بل يُزرع في أراضٍ هامشية، ويعيش سنوات طويلة تصل إلى عقد كامل. نشاطه يتركز في أشهر الشتاء، بينما يدخل في فترة سكون طويلة في الصيف. ولا يمكن زراعته تحت الظل أو بين الأشجار، إذ يحتاج إلى الشمس ليزهر ويُنتج.

ورغم بساطة أدواته، فإن العائد منه كبير إن أُحسن التعامل معه. فهو لا يُستخدم فقط في الطبخ أو الزينة، بل له خصائص طبية عالية، تعزز المناعة، وتحسن صحة القلب، وتدخل في صناعة العطور والأدوية.

زراعة تنبت من قلب الوجع

ليست حكاية الزعفران السوري مجرد قصة عن نبات. إنها رواية عن أرض جريحة تحاول أن تُشفى، وعن بشر لم يفقدوا الإيمان بها رغم كل شيء. في كل كورمة تُزرع، رسالة واضحة: إن التراب الذي كان يوماً مسرحاً للرصاص، قادر على أن ينبت ذهباً.

وهكذا، بينما تتهيأ الحقول لمواسم جديدة، يتأمل السوريون حلم الزعفران لا كمجرد عودة لمحصول نادر، بل كرمز لمستقبل يُبنى بالأمل، والعلم، والعمل الجماعي.

- Advertisement -

- Advertisement -