حاورها/ مجد محمد
أشارت هلز مللي إلى أن مأساة المرأة الإيزيدية لم تكن مجرد فصول من الألم، بل جرحاً مفتوحاً في ضمير الإنسانية، في سنجار ارتكبت جرائم تفوق الوصف، استهدفت الجسد والروح، في محاولة لطمس هوية شعب بأكمله. النساء خطفن، سبين، بعن، وتعرضن لأبشع أنواع العنف، فقط لأنهن ينتمين إلى ديانة مختلفة، لكن من بين الركام، نهضت المرأة الإيزيدية لا كضحية فقط، بل كمقاتلة، مدافعة عن كرامتها، تشارك في حمل السلاح من أجل حماية ما تبقى من مجتمعها.
في صبيحة الثالث من آب عام ٢٠١٤، اجتاحت عناصر تنظيم “داعش” قضاء سنجار شمالي العراق، لتبدأ واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الحديث، آلاف الرجال قتلوا بدم بارد، بينما اقتيدت النساء والأطفال إلى مصير مجهول، سبي، تعذيب، بيع في أسواق الرق، واغتصاب ممنهج، لم تكن مجرد حرب، بل كانت إبادة جماعية استهدفت وجود الإيزيديين وهويتهم الدينية والإنسانية.
ورغم الألم العميق الذي تركته الإبادة، ورغم الخذلان الدولي، لم تفقد المرأة الإيزيدية إيمانها بالحياة والعدالة، لقد واجهت الوحشية بشجاعة، وعادت من الأسر لتكون صوت من لا صوت له، وبهذا الصدد عقدت صحيفتنا السوري حواراً مطولاً مع المحامية الايزيدية هلز مللي، ودار الحوار التالي:
*ما الذي جرى تحديداً في صباح ٣ آب ٢٠١٤؟ وكيف تصفين اللحظة التي بدأ فيها الهجوم على سنجار؟
في صباح الثالث من آب ٢٠١٤، استيقظ أهالي قضاء سنجار على صوت الرصاص وانقطاع الاتصالات، في لحظة صادمة لم يكن أحد يتوقعها، خاصة بعد انسحاب قوات البيشمركة بشكل مفاجئ ودون سابق إنذار، تاركين المنطقة مكشوفة تماماً أمام اجتياح عناصر تنظيم “داعش”، الهجوم بدأ من عدة محاور، حيث اجتاح مقاتلو التنظيم القرى الإيزيدية بسرعة خاطفة، حاملين راياتهم السوداء، ومدججين بالسلاح، خلال ساعات فقط، تحولت سنجار إلى مسرح للمجازر والدمار، فتم اقتحام القرى، وفصل الرجال عن النساء، إعدام الآلاف بدم بارد، وخطفت النساء والفتيات في واحدة من أبشع عمليات السبي والاستعباد الجنسي في التاريخ الحديث، لحظة الهجوم كما وصفتها كثير من النساء الناجيات، كانت نهاية عالم وبداية جحيم، ولحظة انكسر فيها الأمان تماماً، وانهارت فيها كل الحواجز بين الطفولة والموت، وبين البيت والسجن، البعض هرب إلى الجبال، والبعض الآخر وقع في قبضة التنظيم، حيث بدأت رحلة من الرعب لا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.
*هل تعتبرين ما حصل في سنجار جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان؟ ولماذا؟
نعم، ما جرى في سنجار يعد بلا شك جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان، ليس فقط من منظور الضحايا، بل أيضاً وفقاً للمعايير القانونية الدولية كما وردت في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام ١٩٤٨، تنظيم “داعش” لم يهاجم الإيزيديين لمجرد السيطرة على الأرض، بل استهدفهم لأنهم إيزيديون، أي على خلفية دينية وعرقية بحتة، بهدف محو وجودهم الثقافي والديني بالكامل، لقد قتلوا آلاف الرجال بشكل جماعي، واختطفوا النساء والأطفال، وفرضوا عليهم تغيير دينهم بالقوة، وسبوا الفتيات وبيعوهن في أسواق الرق، ومارسوا بحقهن أبشع أنواع العنف الجنسي، هذا السلوك لم يكن عشوائياً أو فردياً، بل كان ممنهجاً ومخططاً، ومدعوماً بخطاب أيديولوجي واضح يدعو إلى القضاء على المرتدين والمشركين وفق تصنيف داعش للإيزيديين، الإبادة لا تعني فقط القتل، بل تشمل التدمير المتعمد لهوية جماعة دينية أو قومية، سواء بالقتل أو التهجير القسري أو الاستعباد أو فرض التغيير القسري للدين أو منع التناسل، وكل هذه الأركان تحققت في سنجار، ولهذا السبب، طالبت جهات حقوقية وإنسانية عديدة، إلى جانب لجنة الأمم المتحدة للتحقيق، باعتبار ما جرى جريمة إبادة جماعية، ليس فقط من أجل التسمية، بل من أجل تحقيق العدالة، ومنع تكرار المأساة، وضمان عدم إفلات الجناة من العقاب.
*برأيك، لماذا لم تمنع مجزرة ٣ آب رغم تحذيرات سابقة من تعرض الإيزيديين للخطر؟
برأيي، مجزرة ٣ آب لم تمنع رغم كل التحذيرات لأن المجتمع الإيزيدي كان مكشوفاً سياسياً وعسكرياً، ووقع ضحية لتخاذل متعمد وتواطؤ ضمني من عدة أطراف، محلية ودولية، فقبل المجزرة كانت هناك مؤشرات واضحة على اقتراب خطر “داعش” من حدود سنجار، خاصة بعد سقوط الموصل في حزيران ٢٠١٤، ومع تقدم التنظيم في مناطق قريبة، لكن للأسف لم تأخذ الجهات المسؤولة ،لا الحكومة العراقية ولا حكومة إقليم كردستان، هذه التهديدات على محمل الجد، الأمر الأخطر كان انسحاب قوات البيشمركة من مواقعها فجأة ودون قتال، في ساعات الفجر الأولى من يوم المجزرة، دون أن تعلم السكان أو توفر لهم ممراً آمناً للهروب، وهو ما شكل صدمة كبيرة ومهد الطريق لدخول “داعش” دون مقاومة تذكر، أما على المستوى الدولي، فالمجتمع الدولي كان منشغلاً بحساباته السياسية، ولم يتعامل مع تحذيرات النشطاء الإيزيديين والمنظمات الحقوقية بالجدية الكافية، حتى بعد بدء المجزرة، استغرق التدخل الدولي أياماً، وبعد أن فقدت آلاف الأرواح وسبيت آلاف النساء، بالتالي إن ما حدث لم يكن فقط نتيجة إهمال، بل نتيجة تقصير جماعي وتخلي كامل عن أقلية محاصرة، كان يمكن إنقاذها لو وجدت الإرادة الحقيقية.
*كيف بدأ تنظيم داعش باستهداف النساء الإيزيديات بعد المجزرة؟
بعد تنفيذ المجزرة في ٣ آب ٢٠١٤، بدأ تنظيم داعش باستهداف النساء الإيزيديات بشكل ممنهج ومخطط له مسبقاً، كجزء من سياسة الإبادة الجماعية التي لم تقتصر على القتل فقط، بل شملت الاستعباد الجنسي وتدمير الهوية، وفور سيطرة داعش على القرى الإيزيدية، تم فصل النساء عن الرجال، حيث أعدم معظم الرجال ميدانياً، فيما جمعت النساء والفتيات والأطفال وتم اقتيادهم إلى مراكز احتجاز مؤقتة في المدارس أو المباني الحكومية، من هناك نقلوا إلى مراكز توزيع في الموصل وتلعفر والرقة، حيث تم التعامل مع النساء كـغنائم حرب، وبدأ التنظيم بإنشاء ما سمي أسواق النخاسة، حيث كانت النساء الإيزيديات تباع وتشترى علناً، أو تهدى كمكافآت للمقاتلين أو تستخدم كوسيلة لتجنيد عناصر جديدة، وتعرضت الفتيات حتى دون سن التاسعة، لاعتداءات جنسية متكررة، وجرى تزويجهن قسراً لمقاتلي التنظيم، واحتجزن في منازل مغلقة أو سجون سرية تحت رقابة صارمة، كما تعرضت النساء الإيزيديات لعمليات غسل دماغ وتغيير ديني قسري، حيث أُجبرن على حفظ شعارات التنظيم وترديد شعائر دينية لا تمت لعقيدتهن بصلة، وبعض الفتيات تم نقلهن إلى خارج العراق، إلى سوريا أو حتى دول أخرى، ضمن شبكات اتجار بالبشر يديرها التنظيم، فما جرى لم يكن مجرد تجاوزات فردية، بل كان جزءاً من منظومة أيديولوجية عنصرية، ترى في المرأة الإيزيدية ملك يمين، وتشرعن اغتصابها وسبيها باسم الدين، وما زالت آثار هذا الجرح مفتوحة حتى اليوم، رغم جهود التحرير والدعم النفسي للناجيات.
*ما الذي واجهته النساء الإيزيديات داخل سجون التنظيم؟ وكيف تعامل “داعش” مع الطفلات؟
النساء الإيزيديات داخل سجون تنظيم “داعش” واجهن واحدة من أبشع الانتهاكات التي عرفها العصر الحديث، ما حدث لهن لم يكن مجرد اعتقال، بل كان نظاماً ممنهجاً من السبي والتعذيب والعبودية الجنسية، فمورس بحقهن الاستعباد الجنسي والاغتصاب المنهجي، فالتنظيم اعتبر النساء الإيزيديات سبايا، أي جواري يمكن امتلاكهن وبيعهن واغتصابهن بموجب فتاوى دينية منحرفة، وكانت النساء تعرض في أسواق للنخاسة، وتباع لمن يدفع أكثر، وكثيرات تعرضن للاغتصاب يومياً، من قبل أكثر من عنصر من التنظيم، وتم الفصل بين النساء والطفلات، فالطفلات الصغيرات لم ينجين من الانتهاكات، بالعكس، بعضهن لم تتجاوز أعمارهن ٩ أو ١٠ سنوات وتم تزويجهن قسراً لمقاتلي التنظيم، فكانت الطفلة تربى أحياناً لتصبح زوجة صغيرة، أو تستعبد مع والدتها، ولا ننسى التعذيب النفسي والجسدي، كالضرب، التهديد بالقتل، الحرق، الحرمان من الطعام، التعليق والجلد كانت من وسائل التعذيب اليومية، كما تعرضت بعض النساء للإجهاض القسري أو تم قتل أطفالهن أمام أعينهن، وسجنت النساء في منازل أو سجون سرية داخل الموصل والرقة وتلعفر وغيرها، وحرمن من التواصل مع أسرهن، ومنع عنهن العلاج والرعاية، كما حاول التنظيم إجبار النساء على اعتناق الإسلام، وفي بعض الحالات تم تغيير أسماء الطفلات وأعمارهن وتزوير وثائقهن.
*ما مدى صحة الأنباء التي تتحدث عن أسواق النخاسة في الموصل والرقة؟
للأسف، هذه الأنباء ليست مجرد شائعات أو روايات مبالغ فيها، بل هي حقائق موثقة بشهادات ناجيات ووثائق صادرة عن منظمات دولية، تنظيم داعش أنشأ فعلاً ما يُعرف بأسواق السبايا في الموصل والرقة، حيث تم بيع النساء والفتيات الإيزيديات علناً وبأسعار محددة بحسب العمر والحالة الجسدية، كانت الفتيات الصغيرات تعرض وكأنهن سلعة، ينادى عليهن ويفاضل المشترون بينهن، في مشهد يعود بالبشرية قروناً إلى الوراء، هذه الممارسات الوحشية تشكل واحدة من أبشع جرائم التنظيم، وتثبت بوضوح أن ما حدث هو جريمة إبادة جماعية منظمة تستهدف طمس الهوية الإيزيدية عبر سلب كرامة نسائها.
*كيف تتعامل العائلات الإيزيدية مع قضية العائدات من الأسر؟ وهل تواجه النساء الناجيات وصمة اجتماعية؟
كثير من العائلات الإيزيدية تواجه تحديات كبيرة عند عودة النساء والأطفال الذين نجوا من الأسر، خصوصاً بسبب الضغوط الاجتماعية التقليدية في المجتمع الإيزيدي، وللأسف هناك حالات تعاني فيها النساء الناجيات من وصمة اجتماعية بسبب ما تعرضن له، رغم أنهن ضحايا للإرهاب والاعتداء، كما أن بعض العائلات قد تتردد في قبول النساء العائدات، أو تشعر بالخجل تجاه المجتمع، مما يزيد من معاناة الناجيات نفسياً واجتماعياً، ومع ذلك هناك جهود من منظمات المجتمع المدني والناشطات لتوعية المجتمع وتغيير هذه النظرة السلبية، وتشجيع دعم النساء وتمكينهن.
*كيف ترين تأثير هذا الأمر على إعادة دمج النساء في المجتمع وعلى مستقبل أجيال الإيزيديين؟
في كثير من الأحيان، تواجه النساء الناجيات تحديات كبيرة لإعادة الاندماج في مجتمع محافظ تقليدي، حيث قد ينظر إلى ما تعرضن له من أسر وسبي كوصمة اجتماعية، رغم أنهن ضحايا وليس لديهن ذنب، وهذه الوصمة يمكن أن تؤدي إلى عزل نفسي واجتماعي للنساء، مما يعيقهن عن متابعة حياتهن بشكل طبيعي، ويزيد من معاناتهن النفسية، فضعف الدعم الاجتماعي قد يؤثر سلباً على الأطفال والجيل القادم، إذ قد ينشأوا في بيئة مليئة بالألم والوصمة، مما يعرقل بناء مجتمع صحي ومستقر، لذلك فإن مكافحة هذه النظرة السلبية وتعزيز الدعم النفسي والإجتماعي للنساء الناجيات أمر أساسي لتحقيق المصالحة المجتمعية وضمان مستقبل أفضل لأجيال الإيزيديين.
*ما هو دور وحدات حماية سنجار (YBŞ) في الدفاع عن المجتمع الإيزيدي بعد المجزرة؟
بعد المجزرة وإبادة داعش للإيزيديين، تشكلت وحدات حماية سنجار (YBŞ) كقوة محلية للدفاع عن مناطق سنجار وحماية المجتمع الإيزيدي من أي تهديدات مستقبلية، ولعبت هذه الوحدات دوراً حيوياً في تحرير مناطق الإيزيديين من قبضة داعش، ونجحت في توفير الحماية الأمنية التي غابت لفترة طويلة، وبالإضافة إلى الجانب العسكري، ساهمت YBŞ في إعادة الاستقرار الأمني داخل سنجار، ودعم إعادة النازحين والناجيات إلى ديارهم.
*كيف ترين تأثير وجود وحدات الحماية هذه على شعور الأمان لدى المجتمع الإيزيدي؟ وهل تعتقدين أن وجود هذه القوات يكفي لضمان عدم تكرار المآسي السابقة؟
وجود وحدات الحماية مثل YBŞ يعزز بشكل كبير شعور المجتمع الإيزيدي بالأمان والقدرة على الدفاع عن النفس بعد سنوات من الضعف والانكشاف أمام التنظيمات الإرهابية، وهذه القوات تمثل رمزية قوية للمقاومة والاستقلالية في حماية الأرض والناس، خاصة بعد تجربة الإبادة التي مرت بها الأقليات، ولكن مع ذلك لا يمكن الاعتماد فقط على الجانب العسكري، لأن الأمن المستدام يحتاج إلى دعم سياسي، اقتصادي، وقانوني من الدولة والمجتمع الدولي، التحديات السياسية، الخلافات الإقليمية، والافتقار إلى دعم مؤسساتي يمكن أن يترك المجتمع معرضاً لمخاطر جديدة، لذلك رغم أهمية YBŞ، فإن ضمان عدم تكرار المآسي يتطلب منظومة شاملة تشمل العدالة، المصالحة، وإعادة البناء المجتمعي.
*كيف شاركت المرأة الإيزيدية في تشكيل هذه القوات؟ وما دوافعها لذلك؟
شاركت المرأة الإيزيدية بشكل فاعل في تأسيس وتطوير وحدات حماية سنجار، حيث شكلن جزءاً مهماً من القتال والمقاومة ضد تنظيم داعش، وكان دافع المشاركة لدى النساء شعورهن العميق بالحاجة للدفاع عن أنفسهن وعن مجتمعاتهن بعد ما تعرضن له من إبادة وسبي، وكذلك شاركت النساء في الأدوار القتالية واللوجستية، وأصبحن رمزاً للثبات والصمود أمام قسوة التنظيم، وأن وجود المرأة في هذه الوحدات يعكس تغييراً ثقافياً في المجتمع الإيزيدي، حيث انتقلت من دور الضحية إلى دور المحاربة والمدافعة عن الحق
*ختاماً، ما هي رسالتك للمجتمع الدولي بشأن مأساة المرأة الإيزيدية؟
بعد مرور أكثر من عقد على الإبادة، ما زالت آلاف النساء الإيزيديات بين مفقودة وجريحة ومنسية، ومعظم الناجيات لم يتلقين دعماً كافياً للشفاء أو إعادة بناء حياتهن، رسالتي إلى المجتمع الدولي هي أن المأساة لم تنتهي، وأن الصمت والتقاعس بعد الجريمة لا يقل قسوة عن الجريمة نفسها، لذلك نطالب المجتمع الدولي بأن يعترف رسمياً بالإبادة، وأن يعمل على محاسبة مرتكبيها، ودعم الناجيات نفسياً، واجتماعياً، واقتصادياً، وعلى العالم أن يفهم أن مأساة المرأة الإيزيدية ليست قضية محلية أو عابرة، بل جرح إنساني يجب التوقف عنده بجدية.