لكل السوريين

بين حلم الهروب وكابوس الاحتيال.. مكاتب التوظيف في سوريا تمزق أحلام الشباب

حمص/ بسام الحمد

في شوارع حمص التي لم تلتئم جراحها بعد، تتناثر إعلانات ملونة على الجدران المتصدعة، تَعِدُ الشباب اليائس بوظائف في الخليج أو فرص للهجرة إلى أوروبا. هذه الملصقات التي تحمل أرقام هواتف وعناوين لمكاتب توظيف، أصبحت بالنسبة للكثيرين البوابة الوحيدة للأمل في حياة أفضل.

تقف أميرة الحسن (23 عاماً) أمام أحد هذه الإعلانات في حي الإنشاءات بحمص، تدرس الرقم المكتوب باهتمام. هذه الخريجة الجامعية من كلية الآداب تحمل في جيبها شهادة التخرج وأمل الهروب من واقع البطالة الذي طال ستة أعوام. “كل صباح أخرج لأبحث عن عمل، وأعود بخفي حنين”، تقول أميرة بصوت يكاد يختنق من شدة اليأس.

قصة أميرة ليست استثناء في سوريا، حيث تصل نسبة البطالة بين الشباب إلى أكثر من 31% وفقاً للإحصاءات الرسمية، وهي نسب قد تكون أعلى بكثير على أرض الواقع. في هذا المناخ اليائس، تزدهر سوق سوداء لمكاتب التوظيف التي تستغل حاجة الناس وتعدهم بوظائف وهمية.

محمد العبود (28 عاماً) من حماة، يروي قصة سقوطه في فخ أحد هذه المكاتب غير المرخصة. “دفعت 800 دولار من مدخرات عائلتي بعد أن وعدوني بعمل في السعودية”، يقول محمد وهو يفرك يديه. “بعد شهرين من الانتظار، اكتشفت أن المكتب اختفى والرقم الذي كنت أتصل به أصبح غير موجود”.

لكن ليست كل القصص تنتهي بخيبة الأمل. خالد السعيد (32 عاماً) من ريف حمص، نجح في الحصول على فرصة عمل حقيقية عبر أحد المكاتب المرخصة. “بحثت طويلاً قبل أن أختار مكتباً معترفاً به”، يروي خالد الذي يعمل الآن في مجال البناء في إربيل. “دفعت عمولة لكنها كانت مقابل خدمات حقيقية. بعد سنة من العمل هناك، استطعت أن أدخر مبلغاً لفتح ورشة صغيرة في مسقط رأسي”.

الفرق بين النجاح والفشل في هذه المعادلة الصعبة يعتمد غالباً على قدرة الشباب على التمييز بين المكاتب المرخصة وتلك الوهمية. المحامي نبيل قاسم من حمص يوضح: “المكاتب المرخصة تخضع لرقابة وزارة العمل وتقدم ضمانات للعملاء، بينما تعمل المكاتب الوهمية في الظل وتختفي بعد الحصول على الأموال”.

ويضيف قاسم: “للأسف، الكثير من الشباب يقعون ضحايا بسبب اليأس والرغبة في الهروب السريع من واقعهم الصعب”.

الأرقام الرسمية تكشف حجم المأساة. فبحسب بيانات المكتب المركزي للإحصاء، تصل نسبة البطالة بين خريجي الجامعات إلى أكثر من 40% في بعض المحافظات، وتشكل النساء النسبة الأكبر من العاطلين عن العمل. هذه الأرقام القاتمة تخلق تربة خصبة لانتشار مكاتب التوظيف الوهمية.

الخبيرة الاقتصادية د. سمر الحلبي من حماة ترى أن هذه الظاهرة هي نتاج طبيعي للأزمة الاقتصادية الخانقة. “عندما ينعدم الأمل في الداخل، يصبح الشباب مستعدين للمخاطرة بكل مدخراتهم على وعود كاذبة”، تقول د. الحلبي. “الراتب المتوسط في سوريا لا يتجاوز 30 دولاراً شهرياً، بينما قد يكسب العامل في الخليج ضعف هذا المبلغ في يوم واحد”.

وتشير الحلبي إلى أن هذه المكاتب استفادت من الانتشار الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح من السهل إنشاء صفحة وهمية على فيسبوك وجذب الآلاف من الضحايا المحتملين.

قصص الضحايا تتكرر يومياً في مكاتب الشرطة ومحاكم حمص وحماة. فاطمة الزهراء (26 عاماً) من حي الوعر في حمص، تروي كيف خسرت 500 دولار كانت قد جمعتها قرشاً قرشاً. “كنت أحلم بالسفر إلى الإمارات للعمل كمربية أطفال”، تقول فاطمة بينما تمسح دمعتها. “بعد شهرين من الدفع والانتظار، اكتشفت أن المكتب كان وهمياً ولم يكن له أي وجود حقيقي”.

لكن رغم كل هذه القصص المؤلمة، لا يزال الكثيرون يلجؤون إلى هذه المكاتب كخيار وحيد. عبد الله المصري (30 عاماً) من حماة يبرر ذلك بقوله: “ماذا نفعل؟ لا توجد فرص عمل هنا، والرواتب لا تكفي لشراء الدواء. نحن مضطرون للمخاطرة”.

بعض المكاتب المرخصة تحاول الحفاظ على سمعتها في هذا السوق المشبوه. عمران الحموي، صاحب مكتب توظيف مرخص في حمص، يقول: “نحن نعمل بشفافية كاملة، نقدم عقوداً موثقة وضمانات للعملاء. المشكلة أن المكاتب الوهمية تدمر ثقة الناس بنا جميعاً”.

ويضيف الحموي: “أحياناً يأتيني شباب يبكون لأنهم خسروا كل مدخراتهم مع مكاتب وهمية. أحاول مساعدتهم قدر المستطاع، لكن الضرر قد وقع”.

الحل من وجهة نظر الخبراء يكمن في زيادة الوعي وتشديد الرقابة. د. علي إبراهيم، أستاذ الاقتصاد في جامعة حمص، يقترح إنشاء منصة رسمية تحت إشراف وزارة العمل لتوثيق المكاتب المرخصة وتوعية الشباب بمخاطر التعامل مع المكاتب غير المعتمدة.

“يجب أن نعمل على مستويين”، يقول د. إبراهيم. “توفير فرص عمل حقيقية في الداخل، ومحاربة الظواهر السلبية التي تستغل معاناة الناس”.

بينما تعلق أميرة الحسن آخر أمل لها على إعلان ملون على حائط متصدع، يبقى السؤال: كم من الوقت سيستمر هذا الاستغلال لأحلام الشباب؟ وكم قصة يأس جديدة ستضاف إلى سجل المعاناة السورية قبل أن يجد هؤلاء الشباب طريقهم إلى حياة كريمة؟

في حمص وحماة وغيرها من المدن السورية، لا يزال الشباب يتنقلون بين أحلام الهروب وكابوس الاحتيال، عالقين في دائرة مفرغة من اليأس والأمل، يبحثون عن فرصة قد تغير حياتهم، أو قد تسلبهم آخر ما يملكون.

- Advertisement -

- Advertisement -