دمشق/ مرجانة إسماعيل
حارة ست نفيسة في حي الشاغور بدمشق تُعدّ واحدة من الأحياء العريقة التي تحمل بين جنباتها عبق التاريخ وروح الأصالة الدمشقية. تقع هذه الحارة في قلب العاصمة السورية، ضمن نطاق حي الشاغور المشهور، الذي يُعتبر من أقدم الأحياء الدمشقية وأكثرها تميزاً من حيث الطراز المعماري والنسيج الاجتماعي. تتميز حارة ست نفيسة بأزقتها الضيقة المرصوفة بالحجر، وبيوتها القديمة المبنية وفق الطراز الدمشقي التقليدي، الذي يجمع بين البساطة والجمال، مع ساحات داخلية تزينها النوافير والأشجار المثمرة، مما يعطيها سحراً خاصاً يجعل الزائر يشعر وكأنه يعود بالزمن إلى حقبة قديمة.
يعود تاريخ حارة ست نفيسة إلى قرون مضت، حيث كانت جزءاً من النسيج العمراني لدمشق القديمة، التي اشتهرت بحاراتها المتلاصقة والتي تشكل لوحة فسيفسائية من التنوع الثقافي والاجتماعي. سُميت الحارة بهذا الاسم نسبة إلى السيدة نفيسة، التي يُعتقد أنها كانت شخصية محترمة في المجتمع الدمشقي القديم، أو ربما تكون قد وقفت على بناء أو ترميم أحد المعالم في الحارة، فخلّد اسمها فيها. مثل العديد من حارات دمشق، تحتفظ ست نفيسة بطابعها الديني والاجتماعي، حيث تنتشر فيها المساجد والزوايا الصغيرة، بالإضافة إلى بعض الكنائس التي تعكس التعايش الديني الذي عُرفت به المدينة.
المعمار في حارة ست نفيسة هو نموذج للبيت الدمشقي الأصيل، الذي يتميز بفنون العمارة الإسلامية والعربية. البيوت هنا غالباً ما تتكون من طابقين أو ثلاثة، بجدران سميكة من الحجر والطين، تحافظ على برودة الجو في الصيف ودفئه في الشتاء. تحتوي هذه البيوت على “إيوانات” (أروقة) تفتح على ساحة داخلية تسمى “صحن الدار”، غالباً ما تكون مزينة بحوض ماء أو نافورة صغيرة، محاطة بأشجار الليمون والياسمين التي تملأ المكان عطراً. النوافذ عالية ومزخرفة بالقناطر الحجرية والمشربيات الخشبية، التي توفر الخصوصية لأهل البيت مع السماح بدخول الضوء والهواء. هذه التفاصيل المعمارية ليست مجرد عناصر جمالية، بل تعكس فلسفة العيش الدمشقية التي تجمع بين الوظيفة والروحانية.
الحياة الاجتماعية في حارة ست نفيسة كانت ولا تزال تعكس روح الحي الدمشقي التقليدي، حيث العلاقات بين الجيران قوية ومتينة، تقوم على التكافل والتعاون. الأهالي هنا يعرفون بعضهم بعضاً منذ عقود، ويشاركون في الأفراح والأتراح، كما تُقام في الحارة العديد من المناسبات الدينية والاجتماعية التي تجمع السكان، مثل الموالد النبوية وحفلات الزفاف التقليدية، حيث تُسمع الأغاني الشعبية الدمشقية وتُقدم الأطباق التقليدية مثل الكبة والمحاشي. كما أن الحارة تشتهر بمقاهيها الصغيرة التي كانت ولا تزال ملتقى لأهل الحارة، حيث يجلس الرجال لشرب الشاي والقهوة وتبادل الأحاديث اليومية أو مناقشة الأخبار المحلية.
من الناحية الاقتصادية، كانت حارة ست نفيسة جزءاً من النشاط التجاري لحي الشاغور، حيث انتشرت فيها محلات الحرف اليدوية الصغيرة، مثل صناعة النحاسيات والمنسوجات، بالإضافة إلى بعض الدكاكين التي تبيع المنتجات اليومية. كما أن قربها من سوق الشاغور وسوق مدحت باشا جعلها منطقة حيوية تجذب الزبائن والمهتمين بالتراث. بعض العائلات في الحارة حافظت على حرفها التقليدية، مثل صناعة الحلويات الدمشقية كالبقلاوة والمبرومة، التي تُعدّ من أشهر المنتجات المحلية.
رغم التغيرات العمرانية والاجتماعية التي شهدتها دمشق في العقود الأخيرة، إلا أن حارة ست نفيسة حافظت على جزء كبير من طابعها التقليدي، بفضل تمسك أهلها بالعادات والتقاليد. ومع ذلك، فإن بعض البيوت القديمة تعرضت للإهمال أو الهدم، وحلت محلها أبنية حديثة لا تحمل نفس الروح المعمارية. لكن في السنوات الأخيرة، ظهرت جهود فردية ومؤسساتية لترميم بعض المباني القديمة والحفاظ على الهوية التاريخية للحارة، لما تمثله من قيمة تراثية وثقافية.
وتبقى حارة ست نفيسة في حي الشاغور شاهداً حياً على تاريخ دمشق الغني وتراثها العريق. هي ليست مجرد مجموعة من البيوت والأزقة، بل هي مجتمع مصغر يحمل قيماً اجتماعية ودينية ومعمارية تجسد هوية المدينة. رغم التحديات التي تواجهها الأحياء القديمة في ظل العصرنة، إلا أن مثل هذه الحارات تظل كنوزاً يجب الحفاظ عليها، لأنها تمثل ذاكرة الأجداد وجسراً بين الماضي والحاضر. زيارة حارة ست نفيسة ليست جولة في المكان فقط، بل هي رحلة في الزمن، حيث يمكن للزائر أن يتذوق روح دمشق الحقيقية، بعيداً عن صخب الحياة الحديثة.