لكل السوريين

الليرة التركية في الشمال السوري.. عملة فرضتها الحرب ويصعب إخراجها من الأسواق

لم تعد الليرة التركية في مناطق واسعة من شمال سوريا مجرد عملة أجنبية تستخدم في بعض التعاملات، بل تحولت خلال سنوات الحرب إلى جزء من الحياة الاقتصادية اليومية، من أجور العمال وأسعار المواد الغذائية إلى النقل والإيجارات والتجارة والصرافة. ورغم عودة المؤسسات الحكومية السورية إلى المنطقة ومحاولات إعادة الليرة السورية إلى التعاملات، لا تزال العملة التركية حاضرة بقوة في الأسواق، في مشهد يعكس تعقيدات المرحلة النقدية التي خلفتها سنوات الانقسام الاقتصادي.

بدأ التحول بصورة واضحة عام 2020، عندما جرى اعتماد الليرة التركية في أجزاء واسعة من شمال غربي سوريا، بعد الانهيار الحاد في قيمة الليرة السورية آنذاك. وكان الهدف المعلن من استخدام العملة التركية توفير قدر أكبر من الاستقرار النقدي في الأسواق التي فقدت فيها الليرة السورية جزءاً كبيراً من قدرتها على حفظ القيمة وتسعير السلع. ومنذ ذلك الوقت، ترسخت العملة التركية في التعاملات اليومية، وأصبح السكان والتجار أكثر اعتياداً على استخدامها.

لكن المشهد النقدي تغير بعد التحولات السياسية التي شهدتها سوريا، مع بدء السلطات الجديدة العمل على إعادة توحيد النظام المالي والنقدي في البلاد. وأصدرت محافظة إدلب في نهاية عام 2025 توجيهات بحصر التعاملات المالية بالليرة السورية، إلا أن الإجراءات لم تنهِ وجود الليرة التركية في الأسواق، التي بقيت مستخدمة على نطاق واسع إلى جانب الدولار والليرة السورية.

وفي يوليو/تموز 2026، بدأ مصرف سوريا المركزي خطة لسحب الليرة التركية تدريجياً من التداول في أسواق الشمال، بالتوازي مع تعزيز حضور الليرة السورية وافتتاح فرع للمصرف المركزي في المنطقة. وتستهدف الخطة تقليص الكتلة النقدية بالليرة التركية ووقف ضخ كميات جديدة منها، في إطار مسعى أوسع لاستعادة توحيد السياسة النقدية في البلاد.

غير أن الانتقال من عملة إلى أخرى لا يبدو مسألة إدارية بسيطة. فالليرة التركية أصبحت جزءاً من آلية التسعير لدى عدد كبير من التجار، كما أن قطاعات تجارية مرتبطة بالاستيراد من تركيا اعتادت إجراء حساباتها بالليرة التركية أو الدولار. وبالتالي فإن تغيير العملة المستخدمة في السوق يتطلب إعادة ضبط شبكة واسعة من الأسعار والأجور والعقود وحسابات التجار.

ويظهر أثر ذلك بوضوح في حياة المستهلكين. ففي بعض مناطق الشمال، يحصل المواطن على دخله بالليرة السورية، ثم يضطر إلى تحويل جزء منه إلى التركية أو الدولار لشراء بعض السلع أو دفع خدمات مسعرة بعملات أخرى. ومع تعدد العملات، تصبح تكلفة الصرف جزءاً إضافياً من الإنفاق اليومي، خصوصاً عندما تتغير أسعار الصرف بين وقت وآخر أو تختلف الأسعار من منطقة إلى أخرى.

ولا تقتصر المشكلة على تعدد العملات، بل تمتد إلى صعوبة تحديد سعر موحد للسلع. فالتاجر الذي يشتري بضاعة من تركيا ويبيعها بالليرة السورية يحتاج إلى احتساب سعر الصرف وتكلفة النقل والرسوم وهوامش الربح، بينما يواجه المستهلك مشكلة أخرى تتمثل في عدم قدرته دائماً على معرفة السعر الحقيقي للسلعة مقارنة بدخله.

وفي عفرين، على سبيل المثال، لا يزال المشهد النقدي متعدد العملات. وتشير تقارير محلية إلى اعتماد التجار على الدولار في الاستيراد، وعلى الليرة التركية والليرة السورية في البيع، بينما يتلقى قسم من السكان أجورهم بالليرة السورية، الأمر الذي يفرض عمليات تحويل متكررة ويزيد الخسائر الناتجة عن فروق أسعار الصرف. كما بدأت إجراءات خلال عام 2026 تلزم المحال بإظهار الأسعار بالليرة السورية باعتبارها العملة الأساسية، مع استمرار السماح بتداول الليرة التركية خلال المرحلة الانتقالية.

ومن زاوية أوسع، تكشف قصة الليرة التركية في الشمال السوري عن أثر الاقتصاد الذي تشكل خلال سنوات الحرب. فعندما ضعفت مؤسسات الدولة وتراجعت قيمة العملة المحلية، لجأت الأسواق إلى عملة أكثر استقراراً نسبياً في ذلك الوقت، ثم نشأت حولها منظومة كاملة من الأجور والأسعار والتجارة والتحويلات. ومع مرور السنوات، أصبح التخلص منها أكثر تعقيداً لأن المسألة لم تعد مرتبطة بالأوراق النقدية الموجودة في المحافظ فحسب، بل بعادات اقتصادية وشبكات تجارية تكونت حولها.

وفي المقابل، فإن إعادة الليرة السورية إلى الأسواق تمنح السلطات قدرة أكبر على توحيد السياسة النقدية وربط المناطق المختلفة بمنظومة مالية واحدة، لكنها تضع أيضاً أمامها تحدي الحفاظ على الثقة بالعملة المحلية، وضمان توافر السيولة والفئات النقدية، ومنع انتقال كلفة التحول إلى المستهلكين.

كما أن نجاح عملية الانتقال يرتبط بقدرة المصرف المركزي على توفير أدوات دفع وصرافة فعالة، وضبط فروق أسعار الصرف، ومراقبة الأسواق، إلى جانب منح التجار فترة كافية لإعادة تسعير السلع والعقود. فاستبدال العملة المستخدمة في السوق من دون معالجة العوامل التي دفعت السكان إليها قد يؤدي إلى استمرار التداول الموازي للعملات الأجنبية، بدلاً من إنهائه.

وهكذا، تقف أسواق الشمال السوري أمام مرحلة نقدية مختلفة: الليرة السورية تعود تدريجياً إلى واجهة التعاملات، فيما لا تزال الليرة التركية تحتفظ بحضور صنعته سنوات من الحرب والتجارة العابرة للحدود. وبين رغبة السلطات في توحيد النظام النقدي وواقع الأسواق الذي لا يتغير بقرارات إدارية وحدها، تبدو المعركة الحقيقية مرتبطة بإعادة بناء الثقة والاستقرار الاقتصادي، أكثر من ارتباطها بتغيير الأوراق النقدية نفسها.

فالليرة التركية لم تدخل الشمال السوري في يوم واحد، ولن تخرج منه بقرار واحد؛ إذ إن بقاءها أو تراجعها سيحدده في النهاية أداء الاقتصاد السوري وقدرة العملة المحلية على استعادة وظيفتها الأساسية: أن تكون أداة موثوقة للتسعير والادخار والدفع في حياة السوريين اليومية.

- Advertisement -

- Advertisement -