السوريات تحت وطأة “الدوام المزدوج”.. أعباء المنزل والعمل تستنزف الطاقات وتحدّ من الاستقلال الاقتصادي
تراجع الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة يضاعفان مسؤوليات النساء، وخبراء يدعون إلى سياسات تدعم تقاسم الأعباء وتعزز مشاركة المرأة في سوق العمل.
لم يعد العمل بالنسبة لكثير من السوريات ينتهي مع انتهاء ساعات الدوام الرسمي، بل تبدأ بعد العودة إلى المنزل رحلة أخرى من المسؤوليات اليومية، تمتد من إعداد الطعام ورعاية الأطفال إلى متابعة شؤون الأسرة وإدارة ميزانيتها. وفي ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة، باتت المرأة السورية تواجه ما يصفه مختصون بـ”الدوام المزدوج”، حيث تتقاطع متطلبات العمل المأجور مع أعباء منزلية ورعائية لا تتوقف، ما يحد من فرصها في تحقيق الاستقلال الاقتصادي والتطور المهني.
وخلال السنوات الأخيرة، فرضت التحولات الاجتماعية والاقتصادية على آلاف النساء أدواراً جديدة، إذ لم يعد دور كثير منهن يقتصر على إدارة شؤون المنزل، بل أصبحن شريكات أساسيات في تأمين دخل الأسرة، وفي حالات كثيرة المعيل الوحيد لها، بعد فقدان مصادر الرزق أو تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الحياة.
وتبدأ يوميات كثير من السوريات مع ساعات الصباح الأولى، بإعداد وجبات الطعام وتجهيز الأطفال للمدارس أو متابعة احتياجات كبار السن والمرضى، قبل التوجه إلى وظائفهن أو أعمالهن الخاصة. وبعد انتهاء يوم العمل، تعود المرأة لتستكمل سلسلة جديدة من المهام المنزلية، لتتحول ساعات المساء إلى وقت مخصص للتنظيف والطهي ومتابعة دراسة الأبناء، بينما تتراجع فرص الراحة أو الاهتمام بالصحة والنشاط الشخصي.
ويؤكد باحثون اجتماعيون أن هذا الواقع أدى إلى تضاعف ساعات العمل الفعلية التي تؤديها النساء، إلا أن جزءاً كبيراً منها يبقى خارج الحسابات الاقتصادية، باعتباره عملاً غير مأجور لا يحظى بالاعتراف أو التقدير الكافي، رغم دوره المحوري في استقرار الأسرة واستمرار الحياة اليومية.
ومع تزايد الضغوط المعيشية، اتجهت كثير من السوريات إلى البحث عن مصادر دخل إضافية من داخل المنزل، عبر إعداد المأكولات المنزلية، وصناعة الحلويات، والخياطة، والأعمال اليدوية، والتسويق الإلكتروني، في محاولة لتعويض تراجع الدخل الأسري. غير أن هذه الأنشطة أضافت أعباء جديدة إلى جدول يومي مزدحم أساساً، ما جعل كثيرات يعملن لساعات طويلة دون فترات راحة كافية.
ويرى مختصون في قضايا المرأة أن غياب خدمات الرعاية الميسرة، مثل الحضانات منخفضة التكلفة أو برامج دعم الأسر، يشكل أحد أبرز العوائق أمام استمرار النساء في سوق العمل، إذ تضطر بعض الأمهات إلى تقليص ساعات عملهن أو ترك وظائفهن بالكامل بعد الإنجاب، الأمر الذي ينعكس سلباً على دخلهن وفرصهن في بناء مسار مهني مستقر.
ولا تتوقف تداعيات هذه الأعباء عند الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى الصحة النفسية والجسدية، حيث يؤدي الإرهاق المستمر وضغط المسؤوليات إلى ارتفاع معدلات التوتر والاحتراق النفسي، في ظل توقعات اجتماعية ما تزال تحمل المرأة المسؤولية الأكبر عن أعمال الرعاية المنزلية، حتى وإن كانت تعمل بدوام كامل خارج المنزل.
ويشير خبراء إلى أن تعزيز مشاركة المرأة في التنمية الاقتصادية لا يقتصر على توفير فرص العمل، بل يتطلب أيضاً إعادة توزيع المسؤوليات داخل الأسرة، بما يتيح للنساء مساحة أكبر للتعليم والتطوير المهني والمشاركة المجتمعية. كما يؤكدون أن تقاسم الأعمال المنزلية بين أفراد الأسرة يسهم في تحسين جودة الحياة، ويعزز الاستقرار الأسري ويخفف الضغوط عن المرأة.
وفي هذا السياق، يدعو مختصون إلى تبني سياسات أكثر دعماً للمرأة العاملة، تشمل توفير حضانات في أماكن العمل، وتوسيع أنماط العمل المرن، وتعزيز برامج الحماية الاجتماعية، إلى جانب نشر ثقافة الشراكة في المسؤوليات الأسرية، بما ينسجم مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها البلاد.
ورغم أن العمل المنزلي والرعائي يشكل ركيزة أساسية لاستمرار حياة الأسرة والمجتمع، فإنه لا يزال في كثير من الأحيان خارج دائرة الاعتراف الاقتصادي، الأمر الذي يجعل آلاف السوريات يؤدين أدواراً حيوية لا تنعكس على مكانتهن الاجتماعية أو استقلاليتهن المالية.
وفي ظل استمرار التحديات الاقتصادية، تبدو إعادة تقييم قيمة العمل غير المأجور الذي تؤديه النساء خطوة ضرورية لتعزيز العدالة الاجتماعية، وتمكين المرأة اقتصادياً، وخلق بيئة أكثر توازناً تتيح لها الجمع بين دورها الأسري وطموحاتها المهنية، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة الأزمات.