شهدت مدينة الرقة اليوم الثلاثاء انعقاد ندوة حوارية موسعة بعنوان “أهمية دور المرأة في العدالة الانتقالية”، نظمها مكتب المرأة في مجلس سوريا الديمقراطية بالتنسيق مع مكتب المرأة في تنظيمات المجتمع الديمقراطي بمقاطعة الرقة، وذلك في صالة بابل وسط المدينة، بهدف تسليط الضوء على الدور الجوهري للمرأة في تحقيق السلام المستدام خلال مرحلة ما بعد النزاع.
حضر الندوة عدد من التنظيمات والمؤسسات النسائية والمدنية، من بينها مجلس تجمّع نساء زنوبيا، ومجلس عوائل الشهداء، ووقف المرأة الحرة، ومجلس إدلب الخضراء، ومجلس المرأة السورية لشمال وشرق سوريا، إضافة إلى ممثلات عن حزب الاتحاد الديمقراطي.
وبدأت الندوة بحديث للرئيسة المشتركة لاتحاد الفلاحين في مقاطعة الرقة عفاف أحمد الكبع، التي تناولت في كلمتها مفهوم العدالة الانتقالية وأبعاده المختلفة، مؤكدة أن العدالة الانتقالية تمثل استجابة مجتمعية شاملة لانتهاكات حقوق الإنسان، وتهدف إلى معالجة الإرث المؤلم لهذه الانتهاكات بالتوازي مع التحولات السياسية التي تشهدها الدول بعد النزاعات.
وأوضحت، أن مفهوم العدالة الانتقالية شهد تطوراً ملحوظاً منذ أواخر القرن العشرين، بدءاً من تجارب التحول الديمقراطي في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وصولاً إلى اعتماده جزءاً من القانون الدولي المعاصر.
وأشارت إلى أن العدالة الانتقالية تشمل آليات قضائية وغير قضائية، مثل المحاكمات، ولجان الحقيقة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، والمصالحة الوطنية، مؤكدة أنها لا تقتصر على محاسبة الجناة فحسب، بل تمتد لتشمل الاعتراف بالضحايا، والكشف عن الحقيقة، وبناء دولة القانون، ومنع تكرار الانتهاكات.
وسلطت الرئيسة المشتركة لاتحاد الفلاحين، الضوء على أهمية التحليل البنيوي للعدالة الانتقالية لفهم تأثير البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية في هذه العملية، مؤكدة أن أي مسار للعدالة الانتقالية لن يكتمل دون مراعاة حقوق النساء والأقليات وإشراكهن بفاعلية.
وأضافت أن تجربة النساء في دول مثل كولومبيا وجنوب إفريقيا، وكذلك تجربة الناشطة الحقوقية ياسمين سكا، تمثل أمثلة حيّة على مساهمة النساء في توثيق الانتهاكات والمشاركة في صياغة دساتير ما بعد النزاع.
واختتمت كلمتها بالتأكيد على أن “تحقيق عدالة انتقالية شاملة وفاعلة في سوريا لن يتحقق إلا إذا كانت النساء شريكات حقيقيات في القرار والعمل، وليس مجرد ممثلات رمزيّات”.
عقب ذلك، فُتح المجال أمام مداخلات الحاضرات. واستهلت الحديث فاتن الراجح، الناطقة باسم مكتب التدريب في مجلس تجمّع نساء زنوبيا في مقاطعة الرقة، مؤكدة أن المجتمع السوري يمر بتحولات كبيرة، وأن هذه المرحلة الحساسة تتطلب حضوراً قوياً لصوت المرأة. وقالت: “يجب ألا تبقى المرأة في موقع الضحية أو المشاهدة؛ فهي عنصر أساسي في أي عملية بناء ومصالحة، ويجب أن تكون موجودة في مواقع القرار والتأثير”.
وأضافت، أن تجربة شمال وشرق سوريا خلال السنوات الماضية أثبتت قدرة المرأة على التغيير، مشيرة إلى أنها أصبحت شريكة حقيقية في مختلف مراحل العمل السياسي والمجتمعي رغم الصعوبات.
وأوضحت: “الطريق لم يكن سهلاً، لكننا بتطبيق مبدأ التمثيل المشترك، وإنشاء مؤسسات خاصة بالمرأة، وسن قوانين تحمي حقوقها، أثبتنا وجود إرادة حقيقية لتعزيز دورها. وعلى العدالة الانتقالية في سوريا المستقبلية أن تضمن للمرأة موقعاً أصيلاً في صناعة القرار، لا مجرد حضور رمزي”.
أما نور الهدى، عضوة لجنة التدريب في مجلس تجمّع نساء زنوبيا، فقد ركزت في مداخلتها على دور المرأة السورية خلال الثورة، مؤكدة أنها قدمت تضحيات كبيرة وأسهمت بشكل فعّال في الحراك المجتمعي. وأضافت: “تمكين المرأة في مرحلة بناء السلام وصياغة مستقبل البلاد أمر ضروري، خاصة مع ضرورة الحفاظ على جميع المكونات والثقافات السورية ضمن إطار التعددية.” وأكدت أن أي دستور سوري جديد لن يحقق العدالة الانتقالية الحقيقية إذا لم يضمن مشاركة النساء وتمثيل قضاياهن بوضوح.
وفي ختام أعمال الندوة، خرجت المشاركات بعدة توصيات ومخرجات، أبرزها، صياغة دستور سوري جديد يضمن حقوق المرأة بشكل متساوٍ مع الرجل، والتركيز على دور الشباب والشابات وتمكينهم في مختلف المجالات ليكونوا جزءاً فاعلاً من عملية المصالحة وإعادة البناء.
كما أوصت الندوة تشكيل لجان مختصة بكشف مرتكبي الجرائم بحق النساء ومحاسبة المتورطين فيها، وقراءة النساء للعقد الاجتماعي ومقارنته بالدستور الجديد لضمان حماية حقوقهن، والعمل على نبذ خطاب الكراهية وتعزيز قيم التعددية والعيش المشترك بما يحقق العدالة الانتقالية المنشودة لسوريا الجديدة.
واختُتمت الندوة بتأكيد المشاركات على أن سوريا التي يسعين إليها هي دولة تعددية وديمقراطية تحفظ كرامة جميع مواطنيها، وتعكس التضحيات التي قدمت خلال سنوات النزاع الطويلة.