السوري ـ خاص
مع بداية كل موسم حصاد في سوريا، لا ينتظر كثير من المزارعين فرحة جمع تعب عام كامل، بل يترقبون خبراً أصبح مألوفاً خلال السنوات الأخيرة: حريق هنا، وآخر هناك، ومساحات واسعة من الأراضي الزراعية تتحول خلال ساعات إلى رماد.
لم تعد الحرائق الزراعية في سوريا حادثة طارئة مرتبطة بظرف استثنائي، بل تحولت إلى مشهد متكرر يرافق موسم القمح والشعير والمحاصيل الحقلية، لتضيف عبئاً جديداً على مزارعين يواجهون أصلاً ارتفاع تكاليف الإنتاج، ونقص مستلزمات الزراعة، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبات التسويق.
بينما يخرج الفلاح من موسم زراعي مثقل بالديون والتكاليف، تأتي النيران لتلتهم ما تبقى من أمل بتحقيق دخل يعوض خسائر العام.
مزارعون بين نارين: تكلفة الإنتاج وحرائق الحصاد
يقول عدد من المزارعين إن الموسم الزراعي بات أشبه بمغامرة غير مضمونة، فالأسعار المرتفعة للبذار والأسمدة والمحروقات وأجور الزراعة والحصاد رفعت تكلفة الإنتاج إلى مستويات كبيرة، في وقت لا تعكس فيه الأسعار الحكومية المعلنة لشراء المحاصيل حجم النفقات التي يتحملها الفلاح.
ويضيف أحد المزارعين:
“ندفع طوال الموسم من جيوبنا، وننتظر يوم الحصاد حتى نستعيد جزءاً من تعبنا، لكن أحياناً لا نصل إلى مرحلة البيع، لأن النار تسبقنا.”
ويشير مزارعون إلى أن خسارة المحصول بسبب الحريق لا تعني فقدان الإنتاج فقط، بل تعني خسارة الأموال التي دُفعت طوال أشهر، إضافة إلى تراكم الديون وصعوبة العودة للزراعة في الموسم التالي.
حرائق تتكرر… والأسئلة لا تنتهي
رغم إعلان الجهات الحكومية في سوريا خلال السنوات الماضية عن إجراءات وخطط للحد من انتشار الحرائق، إلا أن تكرار المشهد يطرح تساؤلات حول فعالية هذه الخطط، ومدى قدرتها على الوصول إلى المناطق الزراعية قبل وقوع الكارثة.
ويطالب مزارعون بانتقال التعامل مع الحرائق من مرحلة الاستجابة بعد وقوعها إلى مرحلة الوقاية المسبقة، عبر تجهيز فرق متخصصة، وتأمين آليات إطفاء قريبة من مناطق الإنتاج، وتنفيذ حملات توعية ومراقبة خلال فترة الحصاد.
فالانتظار حتى اشتعال الحريق، بحسب المزارعين، يعني أن جزءاً كبيراً من الخسارة يكون قد حدث بالفعل.
لماذا تتكرر الحرائق؟
تتداخل أسباب عدة في اندلاع حرائق المحاصيل، منها ارتفاع درجات الحرارة وجفاف الأراضي وسرعة اشتعال بقايا النباتات اليابسة، إضافة إلى عوامل بشرية قد تكون نتيجة الإهمال أو الحوادث العرضية.
كما أن ضعف التجهيزات في بعض المناطق الزراعية وبعد مراكز الإطفاء عن الحقول يزيد من سرعة انتشار النيران، حيث تتحول شرارة صغيرة خلال دقائق إلى حريق واسع يصعب السيطرة عليه.
ويؤكد مختصون في الشأن الزراعي أن طبيعة المحاصيل الحقلية، خصوصاً القمح والشعير، تجعل سرعة التدخل عاملاً حاسماً، فكل دقيقة تأخير قد تعني خسارة مساحات إضافية.
وعود حكومية أمام اختبار الواقع
على مدار الأعوام الماضية، أعلنت الجهات الحكومية المختصة عن خطط لمواجهة الحرائق، تضمنت الحديث عن رفع الجاهزية وتعزيز فرق الطوارئ واتخاذ إجراءات وقائية.
لكن استمرار الحرائق موسمياً يجعل هذه الوعود أمام اختبار حقيقي، خصوصاً أن المزارع لا يقيس نجاح الخطط بعدد التصريحات، بل بعدد الحقول التي بقيت سليمة حتى نهاية موسم الحصاد.
ويرى متابعون أن المشكلة لا تكمن فقط في الاستجابة للحريق بعد وقوعه، بل في غياب منظومة متكاملة تبدأ من مراقبة المناطق الزراعية وتنتهي بالتعويض العادل للمتضررين.
غياب التعويض يزيد حجم المعاناة
الخسارة الأكبر للمزارعين لا تتوقف عند احتراق المحصول، بل تمتد إلى ما بعد الحريق، حيث يجد كثيرون أنفسهم أمام موسم جديد بلا رأس مال كافٍ للعودة إلى الأرض.
ويطالب المتضررون بوجود آلية واضحة لتعويض خسائر الحرائق، أو على الأقل تقديم دعم يساعدهم على إعادة الإنتاج، معتبرين أن حماية الزراعة لا تكون فقط عبر تأمين المحاصيل، بل عبر حماية المزارع نفسه من الانهيار الاقتصادي.
بين الرماد والموسم القادم
تعود الحرائق كل عام، وتعود معها الأسئلة ذاتها: لماذا لا تنجح خطط الوقاية؟ لماذا تبقى المناطق الزراعية عرضة للخطر؟ ومن يتحمل مسؤولية خسارة آلاف الدونمات من الإنتاج؟
بالنسبة للمزارع السوري، الحريق ليس مجرد حادث عابر، بل ضربة جديدة في سلسلة طويلة من الأزمات التي تواجه القطاع الزراعي.
ففي الوقت الذي يحتاج فيه الإنتاج الزراعي إلى حماية ودعم أكبر، يجد الفلاح نفسه في مواجهة عدو صامت لا يترك وراءه سوى أرض سوداء وذكريات موسم كامل ضاع في ساعات.
ويبقى السؤال قائماً: هل تتحول خطط مكافحة الحرائق في سوريا من وعود موسمية إلى إجراءات حقيقية تمنع تكرار المشهد قبل أن تصل النيران إلى المحاصيل؟