لكل السوريين

دمشق وواشنطن.. هل يدخل حزب الله مرحلة الضغط عبر البوابة السورية؟

تعود سوريا مجددا إلى قلب التوازنات الإقليمية والدولية، لكن هذه المرة عبر بوابة التحولات الأمنية المرتبطة بمستقبل حزب الله وإعادة رسم خرائط النفوذ في المشرق. فالدعوة الأميركية الموجهة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع لزيارة واشنطن خلال يونيو الجاري لا تبدو مجرد خطوة دبلوماسية بروتوكولية، بل تحمل أبعادا سياسية وأمنية تتجاوز العلاقات الثنائية بين دمشق وواشنطن نحو ترتيبات إقليمية أكثر تعقيدا.

وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد المواجهة بين إسرائيل والمحور الإيراني، واتساع النقاش داخل الولايات المتحدة حول سبل احتواء حزب الله وتقليص نفوذه الإقليمي دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تهدد استقرار المنطقة بأكملها.

وبحسب مصادر دبلوماسية، تلقى الرئيس السوري أحمد الشرع دعوة رسمية لزيارة واشنطن منتصف يونيو، وسط ترقب لطبيعة الملفات التي ستطرح خلال الزيارة، وما إذا كانت دمشق ستتحول إلى لاعب أساسي في الترتيبات الأمنية الجديدة التي تعمل الولايات المتحدة على بلورتها في المنطقة.

وإذا تمت الزيارة، فستكون الثانية للرئيس السوري إلى الولايات المتحدة منذ وصوله إلى السلطة أواخر عام 2024 عقب سقوط نظام بشار الأسد، في مؤشر واضح على التحول التدريجي في سياسة واشنطن تجاه القيادة السورية الجديدة.

وكان الشرع قد زار البيت الأبيض في نوفمبر 2025، في أول زيارة لرئيس سوري إلى الولايات المتحدة منذ استقلال سوريا عام 1946، وهي الخطوة التي اعتبرت آنذاك بداية مرحلة جديدة من الانفتاح الأميركي الحذر تجاه دمشق، رغم الخلفية الجهادية السابقة للرئيس السوري.

ومنذ توليه السلطة، حاول الشرع تقديم نفسه كشريك إقليمي قادر على المساهمة في تحقيق الاستقرار ومحاربة التنظيمات المتشددة، مع التركيز على إعادة دمج سوريا في النظامين الإقليمي والدولي، والسعي إلى جذب الاستثمارات ورفع العقوبات المفروضة على البلاد بعد سنوات طويلة من الحرب والانهيار الاقتصادي.

في المقابل، أظهرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب انفتاحا متزايدا تجاه دمشق، تجسد في تخفيف جزء من العقوبات وإطلاق رسائل سياسية إيجابية تجاه القيادة السورية الجديدة. وبلغ هذا التقارب ذروته عقب اللقاء الذي جمع ترامب والشرع في السعودية خلال مايو 2025، حين وصف الرئيس الأميركي نظيره السوري بأنه “قائد قوي” يمتلك فرصة لإعادة بناء سوريا.

لكن خلف هذا التقارب السياسي تبرز حسابات أمنية أكثر حساسية، خاصة بعد تصريحات ترامب الأخيرة التي تحدث فيها عن إمكانية أن تضطلع سوريا بدور في مواجهة حزب الله داخل لبنان، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول طبيعة الدور الذي قد تسعى واشنطن إلى إسناده لدمشق خلال المرحلة المقبلة.

ويرى مراقبون أن الإدارة الأميركية تنظر إلى سوريا باعتبارها ورقة محتملة لإعادة ضبط التوازنات على الحدود السورية – اللبنانية، خصوصا في ظل صعوبة حسم المواجهة الإسرائيلية مع حزب الله رغم اتساع العمليات العسكرية.

كما أن واشنطن قد ترى في تعزيز الدور السوري وسيلة أقل كلفة من الانخراط الأميركي المباشر أو استمرار الاستنزاف الإسرائيلي الطويل، خاصة إذا كان الهدف يتمثل في تقليص قدرات حزب الله وإضعاف خطوط إمداده دون إشعال حرب إقليمية واسعة.

غير أن هذا السيناريو يصطدم بجملة من التعقيدات السياسية والأمنية التي تجعل من الصعب على دمشق الانخراط في مواجهة مفتوحة مع الحزب في الوقت الراهن.

فسوريا التي خرجت حديثا من سنوات طويلة من الحرب والانقسام لا تزال تواجه تحديات داخلية ضخمة، تتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإعادة هيكلة الجيش، ودمج الفصائل المسلحة ضمن بنية عسكرية موحدة، إضافة إلى مواجهة التحديات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة.

كما تدرك القيادة السورية الجديدة أن أي انخراط مباشر في صراع إقليمي واسع قد يهدد مسار الاستقرار الداخلي، ويقوض الجهود الرامية إلى جذب الاستثمارات وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار.

ويرى محللون أن دمشق تميل حاليا إلى تبني نهج براغماتي يركز على تثبيت الاستقرار الداخلي وتجنب المغامرات العسكرية، خاصة أن أولوياتها الأساسية تتمثل في إنعاش الاقتصاد وتحسين الخدمات وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

إلى جانب ذلك، فإن الدخول في مواجهة مباشرة مع حزب الله لا يبدو خيارا سهلا من الناحية الأمنية والعسكرية، فالحزب لا يزال يمتلك بنية قتالية قوية وشبكات نفوذ واسعة على جانبي الحدود السورية – اللبنانية، فضلا عن خبرته الميدانية الطويلة وقدراته الاستخباراتية.

كما تخشى دمشق من أن يؤدي أي صدام مباشر مع الحزب إلى تنشيط شبكات مرتبطة بالمحور الإيراني داخل الأراضي السورية، بما قد يعيد البلاد إلى دوامة التوترات الأمنية التي تحاول السلطة الجديدة تجاوزها.

ويبرز أيضا العامل اللبناني بوصفه عنصرا شديد الحساسية في هذه المعادلة. فالإرث المرتبط بالوجود العسكري السوري السابق في لبنان ما يزال حاضرا في الذاكرة السياسية اللبنانية، وأي تحرك عسكري سوري داخل الأراضي اللبنانية قد يثير مخاوف واسعة لدى أطراف لبنانية مختلفة، حتى بين بعض القوى المناهضة لحزب الله.

كما أن تركيا، الحليف الإقليمي الأبرز للسلطة السورية الجديدة، تبدي بدورها تحفظا تجاه أي توسع للصراع داخل الجغرافيا السورية، انطلاقا من مخاوف تتعلق بالأمن القومي التركي واحتمالات تحول سوريا إلى ساحة مواجهة إقليمية مفتوحة.

وفي ظل هذه التعقيدات، يرجح مراقبون أن تتجه دمشق نحو صيغة وسطية تقوم على تشديد الرقابة على الحدود السورية – اللبنانية، ومكافحة عمليات التهريب وخطوط الإمداد اللوجستي، بدلا من الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع حزب الله.

وقد يوفر هذا الخيار توازنا بين رغبة واشنطن في زيادة الضغط على الحزب، وبين حرص دمشق على تجنب الانزلاق إلى حرب استنزاف جديدة قد تهدد الاستقرار الهش داخل سوريا.

وفي جميع الأحوال، فإن مجرد طرح اسم سوريا ضمن معادلة احتواء حزب الله يعكس حجم التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط، ويؤكد عودة دمشق إلى موقع مؤثر في الحسابات الإقليمية والدولية، لكن ضمن شبكة معقدة من التوازنات التي قد تجعل أي خطوة غير محسوبة مقدمة لتوترات أوسع في المنطقة.

- Advertisement -

- Advertisement -