لكل السوريين

تراجع الليرة يضاعف معاناة السوريين.. المزارعون والحرفيون بين خسائر الإنتاج وارتفاع تكاليف المعيشة

السوري ـ خاص

تعيش سوريا واحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية منذ بداية النزاع، في ظل استمرار انهيار الليرة السورية وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على مختلف القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة والحرف والمهن الصغيرة.

ومع الارتفاع المتسارع لسعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية، دخل المزارعون السوريون مرحلة جديدة من القلق والخسائر، خاصة بعد اعتماد تسعيرة القمح بالليرة السورية في وقت تواصل فيه العملة المحلية تراجعها الحاد أمام العملات الأجنبية.

ويقول مزارعون إن الفجوة بين تكاليف الإنتاج والأسعار المطروحة لشراء المحاصيل أصبحت أكبر من أي وقت مضى، ما دفع كثيرين إلى الشعور بأنهم يعملون دون أي هامش ربح حقيقي، وسط غياب الاستقرار النقدي وارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة والبذار والنقل.

في الأرياف السورية، لم يعد القمح مجرد محصول إستراتيجي، بل أصبح عنواناً لأزمة اقتصادية أعمق تضرب المجتمع بأكمله. فالمزارع الذي ينتظر موسمه الزراعي لتغطية نفقات عام كامل، يجد نفسه اليوم أمام خيارين كلاهما صعب: إما بيع محصوله للتجار بأسعار منخفضة لا تتجاوز في بعض الأحيان 200 دولار للطن الواحد، أو تسليمه وفق التسعيرة الحكومية التي تتآكل قيمتها الفعلية مع كل ارتفاع جديد في سعر صرف الدولار.

ومع اقتراب سعر الصرف من مستويات غير مسبوقة، تجاوزت حاجز 15 ألف ليرة مقابل الدولار الواحد في بعض المناطق، أصبحت التسعيرات الرسمية عاجزة عن مواكبة التغيرات اليومية في السوق، الأمر الذي يضع المنتج الزراعي السوري في دائرة الخسارة المستمرة.

ولا تقتصر تداعيات تراجع الليرة على القطاع الزراعي فقط، بل تمتد إلى مختلف المهن والحرف الصغيرة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي. فالحرفيون وأصحاب الورش يواجهون ارتفاعاً حاداً في أسعار المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، في وقت يعجز فيه المواطن عن تحمل تكاليف الخدمات أو شراء المنتجات.

ويؤكد عاملون في قطاعات النجارة والحدادة والخياطة وصيانة المعدات أن تقلّب سعر الصرف بشكل يومي جعل من الصعب تحديد تكلفة العمل أو هامش الربح، ما تسبب في حالة ركود واضحة داخل الأسواق المحلية، وأدى إلى تراجع الطلب على كثير من الخدمات والمهن.

كما انعكس الانهيار النقدي على حركة الأسواق بشكل عام، حيث باتت غالبية الأسر السورية تخصص الجزء الأكبر من دخلها لتأمين الاحتياجات الأساسية فقط، مثل الغذاء والدواء والمحروقات، بينما تراجعت القدرة على الإنفاق في باقي القطاعات.

ويرى اقتصاديون أن الأزمة الحالية لم تعد مرتبطة فقط بتراجع قيمة العملة، بل أصبحت أزمة بنيوية تشمل ضعف الإنتاج، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع القوة الشرائية، وغياب الاستقرار المالي، إضافة إلى اعتماد الأسواق بشكل متزايد على الدولار في تسعير السلع والمواد الأساسية.

ويشير مراقبون إلى أن استمرار الفجوة بين الدخل والأسعار يدفع شرائح واسعة من السوريين نحو مزيد من الفقر، خاصة في المناطق الريفية التي تعتمد بشكل أساسي على الزراعة والمهن اليدوية كمصدر رئيسي للدخل.

وفي ظل هذه الظروف، يواجه المزارعون تحديات مركبة تبدأ من تأمين مستلزمات الزراعة ولا تنتهي عند صعوبة تسويق المحاصيل. فارتفاع أسعار الوقود رفع تكاليف تشغيل الآليات الزراعية والري والنقل، بينما أصبحت الأسمدة والبذار تُباع بأسعار تفوق قدرة كثير من المزارعين، ما يهدد بتراجع المساحات المزروعة خلال المواسم المقبلة.

كما أن غياب سياسات دعم مستقرة أو برامج حماية للإنتاج المحلي زاد من حالة القلق لدى العاملين في القطاع الزراعي، الذين يعتبرون أن استمرار الوضع الحالي قد يدفع عدداً متزايداً من المزارعين إلى ترك أراضيهم أو تقليص نشاطهم الزراعي.

على المستوى الاجتماعي، لم تعد الأزمة الاقتصادية مجرد أرقام مرتبطة بسعر الصرف أو نسب التضخم، بل تحولت إلى واقع يومي ينعكس على حياة المواطنين بشكل مباشر. فارتفاع الأسعار المستمر أضعف قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، فيما ازدادت معدلات الهجرة والبحث عن فرص عمل خارج البلاد، خاصة بين الشباب.

كما ساهم التدهور الاقتصادي في توسيع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، الأمر الذي أدى إلى تغيرات اجتماعية واضحة، من بينها زيادة الاعتماد على المساعدات، وتراجع مستوى التعليم والصحة، وارتفاع الضغوط النفسية والمعيشية على الأسر السورية.

ويرى مختصون أن معالجة الأزمة تتطلب خطوات اقتصادية عاجلة تبدأ بتحقيق قدر من الاستقرار النقدي، ودعم القطاعات الإنتاجية، وخاصة الزراعة، عبر تقديم تسهيلات حقيقية للمزارعين وتأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، إضافة إلى وضع آليات أكثر مرونة لتسعير المحاصيل بما يتناسب مع تقلبات السوق وسعر الصرف.

كما يؤكد خبراء أن دعم الحرف والمشاريع الصغيرة يمكن أن يشكل مدخلاً مهماً لتحريك الاقتصاد المحلي وتخفيف معدلات البطالة، إلى جانب أهمية تشجيع الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

وفي وقت تبدو فيه الأزمة الاقتصادية مفتوحة على مزيد من التعقيد، يبقى المواطن السوري الحلقة الأضعف في معادلة الانهيار النقدي وارتفاع الأسعار، بينما تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار تراجع الليرة إلى مزيد من التدهور المعيشي والاجتماعي خلال المرحلة المقبلة.

وبين خسائر المزارعين، وتراجع قدرة الحرفيين، وضغوط الحياة اليومية، تبدو سوريا اليوم أمام تحد اقتصادي واجتماعي واسع، يحتاج إلى حلول تتجاوز المعالجات المؤقتة، نحو رؤية أكثر استقراراً تحفظ ما تبقى من قدرة المجتمع على الصمود والإنتاج.

- Advertisement -

- Advertisement -